ملا محمد مهدي النراقي
492
انيس المجتهدين في علم الأصول
فصل [ 16 ] قد ذكروا للعلّة شروطا كثيرة « 1 » . فمنها : أن تكون بمعنى الباعث ، أي مشتملة على حكمة مقصودة للشارع من تحصيل مصلحة أو تكميلها ، أو دفع مفسدة أو تقليلها ، فالأمارة المجرّدة - أي الوصف الطرديّ الذي لا يناسب ولا يشابه - لا تصلح للعلّيّة . واحتجّوا عليه بأنّ العلّة لو كانت أمارة لم يكن لها فائدة سوى تعريف الحكم ، فيلزم أن يكون الحكم متفرّعا عليها ، مع أنّ العلّة متفرّعة عن الحكم ؛ لكونها مستنبطة منه ؛ إذ لو كانت منصوصة أو مجمعا عليها لعرف الحكم بالنصّ أو الإجماع لا بها ، فيلزم الدور « 2 » . وأجيب عنه ، بأنّ العلّة تتفرّع على حكم الأصل ، والمتفرّع على العلّة إنّما هو الحكم في الفرع ، فلا دور « 3 » . أقول : ما يقتضيه النظر هو أنّ الأمارة - أي الوصف الطرديّ - لعدم ظهور مناسبته للحكم لا يكون علّيّته معلومة لنا ، إلّا أنّه لا يمتنع أن يكون علّة شرعا ؛ لأنّ ظهور المناسبة لكلّ أحد لا يشترط في علّيّة الوصف ، كما أشير إليه . نعم ، يلزم ظهورها لمن يجعله علّة ، فيمكن أن يكون وصف مشتملا على حكمة يكون ذلك معلوما للشرع غير معلوم لنا ، وحينئذ إذا تحقّق الطرد - أي ثبوت الحكم في أكثر المحالّ التي وجد فيها الوصف - يحصل الظنّ بعلّيّته له ، كما تقدّم « 4 » ، فعلى ما ذهب إليه العامّة من العمل بالأقيسة الظنّيّة « 5 » يتأتّى قياس غيرها - ممّا وجد فيه هذا الوصف - عليها وإن لم يثبت فيه ترتّب الحكم على الوصف من الشرع . وأمّا على ما ذهبنا إليه ، فالمناط النصّ على العلّيّة « 6 » ، سواء كانت المناسبة معلومة أو لا ؛ فالأمارة
--> ( 1 ) . راجع : المحصول 5 : 127 ، والإحكام في أصول الأحكام 3 : 215 - 221 ، وتهذيب الوصول : 266 . ( 2 ) . قاله المطيعي في سلّم الوصول المطبوع مع نهاية السؤل 4 : 58 ، والآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3 : 224 . ( 3 ) . الجواب للإسنوي في نهاية السؤل 4 : 58 . ( 4 ) . في ص 488 . ( 5 ) . راجع : المعتمد في أصول الفقه 2 : 215 . ( 6 ) . راجع : معارج الأصول : 185 ، وتهذيب الوصول : 248 ، والوافية : 237 .