ملا محمد مهدي النراقي
463
انيس المجتهدين في علم الأصول
الثانية : أنّهم اختلفوا في مسائل كثيرة ، وأحدثوا فيها أقوالا مختلفة ، ثمّ أخذوا بقول واحد ، ولم يكن تمسّكهم فيها بالنصّ ، فتعيّن أن يكون تعويلهم على القياس ، كما روي أنّ عمر قضى في زوج وأمّ وإخوة لامّ وإخوة لأب وأمّ ، أنّ للامّ السدس ، وللزوج النصف ، وللإخوة من الامّ الثلث ، فقال الباقون : هب أنّ أبانا كان حمارا ، ألسنا من أمّ واحدة ؟ فشرّك بينهم « 1 » . وما روي أنّ أبا بكر ورّث أمّ الامّ دون أمّ الأب ، فقال له بعض الأنصار : تركت التي لو كانت هي الميّتة ورث جميع ما تركت ؛ لأنّ ابن الابن عصبة ، وابن البنت لا يرث . وحاصله أنّ أمّ الأب أقرب ، فهي أحقّ بالإرث ، فرجع إلى التشريك بينهما . وأشباه ذلك كثيرة « 2 » . الثالثة : أنّهم صرّحوا بالأخذ به وأشاروا إلى التشبيه في المسائل ، كقول عمر لأبي موسى : اعرف الأشباه والنظائر ، وقس الأمور برأيك « 3 » . وقول ابن عبّاس في إنكار قول زيد : « الجدّ لا يحجب الإخوة : ألا يتّقي اللّه زيد يجعل ابن الابن ابنا ، ولا يجعل أبا الأب أبا « 4 » . وليس غرضه التسمية ، بل أراد أنّ الجدّ بمنزلة الأب في حجب الإخوة ، كما أنّ ابن الابن بمنزلة الابن فيه » « 5 » . الرابعة : أنّه قد نقل عنهم في وقائع القول بالرأي وهو القياس ، كقول أبي بكر : أقول في الكلالة برأيي « 6 » . وقول عمر : أقضي في الجدّ برأيي « 7 » . وقول عثمان لعمر : إن اتّبعت رأيك فرأيك سديد « 8 » . وقول عليّ عليه السّلام : « اجتمع رأيي ورأي أبي بكر وعمر في أمّ الولد أن لاتباع ، وقد رأيت الآن بيعهنّ » « 9 » . وأمّا بيان الملازمة ، فلأنّ عدم إنكارهم في مثل هذا الأصل - الذي يبتني عليه أكثر الأحكام والقضايا ، ويدوم أثره إلى الأبد في البرايا - يدلّ على الموافقة ، ولو ظهر منهم
--> ( 1 ) . حكاه ابن قدامة في المغني 7 : 22 ، وابن الباجي في إحكام الفصول : 519 . ( 2 ) . راجع المغني لابن قدامة 7 : 22 . ( 3 و 4 ) . حكاهما ابن الباجي في إحكام الفصول : 521 . ( 5 و 6 ) . راجع : السنن الكبرى 6 : 248 ، وإحكام الفصول : 525 باختلاف يسير ، والمحصول 5 : 55 . ( 7 ) . راجع : إحكام الفصول : 519 وفيه : « أقول برأيي » وهو كلام أبي بكر ، والمستصفى : 287 . ( 8 ) . راجع إحكام الفصول : 521 وفيه : « إن تتّبع رأيك فرأيك أسدّ » . ( 9 ) . راجع : السنن الكبرى 10 : 348 ، وإحكام الفصول : 521 . كلمة « الآن » لم ترد فيه .