ملا محمد مهدي النراقي
460
انيس المجتهدين في علم الأصول
وإن لم يعلم فيه ذلك لم يجز ، مثاله : قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ « 1 » رتّب النهي على النجاسة ، فإن لم يكن لخصوصيّة نجاسة المشرك مدخليّة يكون تقريب مطلق النجاسة حراما ، وإلّا كان الحكم مقصورا على مورده ، ولمّا لم يكن عدم مدخليّة الخصوصيّة معلوما لم يكن التعدية معلومة . وبما ذكرنا ظهر أنّ تنقيح المناط إمّا قطعيّ أو ظنّيّ ، والحجّة هو الأوّل دون الثاني . وظهر أيضا أنّ الحجّة على قواعد الأصحاب من أقسام قياس راجح التأثير بأيّ عنوان اطلق - كتنقيح المناط ، أو اتّحاد الطريق ، أو القياس بالطريق الأولى ، أو المنصوص العلّة ، أو القياس في معنى الأصل ، أو الجليّ ، أو القطعي - ما علم فيه العلّيّة وعدم مدخليّة خصوص الواقعة ، أو المساواة من كلّ وجه إذا كان الجمع بمجرّد نفي الفارق ، إمّا « 2 » بالقطع ، أو بما ثبت حجّيّته شرعا ، كالنصّ ومثله . والسرّ فيه ما يأتي من قطعيّة بطلان مطلق القياس على قواعدهم « 3 » . فإن قلت : كيف يتصوّر حصول القطع بالعلّيّة ؟ قلت : العلّة إن كانت عقليّة - أي كان للعقل مدخليّة في فهم العلّيّة - فلا ريب في إمكان حصول القطع بها ، إلّا أنّ وجود مثله في الأحكام الشرعيّة نادر ، وإن كانت غير شرعيّة فقط ، فإنّ النصّ أو الإيماء على العلّيّة يمكن أن يبلغ حدّا يحصل معه القطع بالتعليل الشرعي ، وكما أنّ العلّة الواقعيّة يمتنع تخلّف معلولها عنها ، كذا يمتنع تخلّف الأحكام الشرعيّة المعلولة للعلل الشرعيّة عنها ، فالقطع بالعلّة الشرعيّة يستلزم القطع بالحكم الشرعيّ المعلّل بها ، فإن ورد التعليل من الشرع بطريق قطعي كالتواتر ، كانت العلّيّة وطريقها كلتاهما قطعيّة ، فيحصل القطع بالحكم . وإن ورد بطريق ظنّيّ ، كالآحاد ، أمكن القطع حينئذ بالعلّيّة إلّا أنّ طريقها يكون ظنّيّة ، ولذا يحصل الظنّ بالحكم لا القطع به إلّا أنّ الحجّيّة ثابتة ؛ لأنّ الفرض أنّ الطريق حجّة شرعا .
--> ( 1 ) . التوبة ( 9 ) : 28 . ( 2 ) . هذا تقسيم للعلم المفروض في قوله : « ما علم فيه العلّيّة » . ( 3 ) . يأتي في ص 461 .