ملا محمد مهدي النراقي

455

انيس المجتهدين في علم الأصول

وقيل : إنّه ليس بقياس . ووجه التعدية فيه إمّا دلالة مفهومه وفحواه عليه ، ولذلك سمّي مفهوم الموافقة ؛ لكون الحكم غير المذكور موافقا للحكم المذكور ، وفحوى الخطاب ولحن الخطاب أيضا ، ويقابله مفهوم المخالفة ، كمفهوم الشرط وأمثاله ، ويسمّى دليل الخطاب . وإمّا الفهم العرفي ، فإنّ العرف نقل فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ « 1 » - مثلا - عن موضوعه اللغوي وهو المنع عن التأفيف ، إلى المنع عن أنواع الأذى « 2 » . واستدلّ عليه بأنّه لو كان قياسا لما قال به النافي له ، وبأنّه يقطع بإفادة الصيغة في مثله للمعنى المذكور من غير توقّف على استحضار القياس « 3 » . والجواب عن الأوّل : أنّ النافي للقياس استثنى عنه ما يعرف الحكم فيه بالطريق الأولى . وعن الثاني : أنّ التوقّف على استحضاره إنّما هو في الأقيسة الخفيّة ، لا في مثله ؛ فإنّه ممّا يعرفه كلّ من يعرف اللغة من غير افتقار إلى نظر واجتهاد . وكيفيّة التفريع : أنّ آية التأفيف حجّة على تحريم ضرب الأبوين ؛ إذ يعلم من فحواها أنّ علّة النهي عن التأفيف حصول الأذى ، وهو أقوى في الضرب . وآية الذرّتين « 4 » حجّة على الجزاء بما فوق المثقال ؛ لفهم العلّة - أعني عدم تضييع الإحسان والإساءة - من الفحوى ، وكونها أقوى في الفرع . وآية تأدية القنطار ، وعدم تأدية الدينار حجّة على تأدية ما دون القنطار ، وعدم تأدية ما فوق الدينار ؛ لفهم العلّة - أعني الأمانة في أداء القنطار وعدمها في عدم أداء الدينار - من الفحوى ، وأشدّيّتها في الفرع . المقام الثاني : فيما اختلف في حجّيّته ، وهو المنصوص العلّة . وقد اختلف في حجّيّته على أقوال ، ثالثها : الحجّيّة في علّة التحريم دون غيرها « 5 » .

--> ( 1 ) . الإسراء ( 17 ) : 23 . ( 2 ) . قالهما البصري في المعتمد 2 : 235 ، والفخر الرازي في المحصول 5 : 121 . ( 3 ) . المصدرين . ( 4 ) . إشارة إلى الآيتين 7 - 8 من سورة الزلزلة ( 99 ) : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ . ( 5 ) . حكاه الفخر الرازي عن أبي عبد اللّه البصري في المحصول 5 : 117 ، وحكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 4 : 59 .