ملا محمد مهدي النراقي

433

انيس المجتهدين في علم الأصول

على شيء منهما . فالأقسام ستّة ، وكلّ منها يمكن أن يشتمل تركه بالترديد على الأقسام المذكورة ، فيصير الحاصل ستّة وثلاثين . ثمّ المتحقّق في كلّ واحد منها - من المصلحة والمفسدة وجودا وعدما - إمّا قطعيّ أو ظنّيّ ، وعلى التقديرين إمّا كلّيّ أو جزئيّ ، وعلى التقادير إمّا أن يكون المصلحة ضروريّة - أي ليس لها بدل - أو لا ، فيرتقي الأقسام إلى حدّ لا يحصى كثرة . ولا ريب في حجّيّة مصلحة صافية قطعيّة ضروريّة ، كلّيّة كانت أو جزئيّة إذا لم يشتمل تركها قطعا على مصلحة مطلقا ، سواء اشتمل على مفسدة أو لا ؛ لأنّها تكون معتبرة ؛ لأنّ كلّ مصلحة صافية قطعيّة معتبرة عند الشرع والعقل . والمرسلة ما كانت متردّدة بين المعتبرة والملغاة إمّا لعدم القطع بكونها مصلحة في نفسها ، أو لأدائها إلى مفسدة . وغيرها من الأقسام ليس بحجّة . ووجهه ما تقدّم « 1 » . ولنذكر مسألة فرعيّة ليعرف كيفيّة التفريع ، مثلا إذا مرضت حامل وقطع بكون إخراج الدم - لا غير - شفاء لها ، وعلم عدم أدائه إلى فساد الحمل يجب فعله . وإن لم يقطع به أو قطع به وعلم بدله أو فساد الحمل ، لم يجب . وقال بعضهم بحجّيّتها إذا كانت ضروريّة قطعيّة كلّيّة وإن أدّت إلى مفسدة أخرى ، قالوا : إذا تترّس الكفّار من أهل الحرب بالأسارى من المسلمين ، يجوز رميهم وإن أدّى إلى تلف الأسارى ؛ إذا علم أنّه إن « 2 » لم يرموا ظهروا على الإسلام ، وهذه ضروريّة ؛ لأنّ دفعهم لا يمكن بدون الرمي ، وقطعيّة ؛ لأنّ الرمي بدفعهم قطعيّ ، وكلّية ؛ لأنّ الضرر يعمّ المسلمين « 3 » . وهذا القول ظاهر الفساد ؛ لأنّ الشارع قد نهى عن المفسدة المترتّبة مطلقا ، فكيف يكلّف بما يؤدّي إليها ؟ ! وجواز الرمي عند التترّس لو صحّ - كما قال به أصحابنا « 4 » - فإنّما هو بدليل من خارج ، ولذا لم يجوّزوا قتل من قطع بأنّه لو لم يقتل صار سببا لقتل جماعة بالسعاية عند ظالم ، وعلى القول المذكور يلزم وجوب قتله .

--> ( 1 ) . تقدّم في ص 428 . ( 2 ) . في « ب » : « إذا » . ( 3 ) . نسبه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 4 : 167 ، إلى مالك في مبحث « المصالح الضروريّة الكلّيّة الحاصلة قطعا » وحكاه المحقّق الحلّي في معارج الأصول : 223 ، وذهب إليه البيضاوي في منهاج الأصول المطبوع مع نهاية السؤل 4 : 387 ، واختاره الأسنوي ونسبه أيضا إلى إمام الحرمين في نهاية السؤل 4 : 387 . ( 4 ) . راجع رياض المسائل 8 : 73 .