ملا محمد مهدي النراقي
414
انيس المجتهدين في علم الأصول
زمان بطروّ شكّ لا يمكن الحكم بثبوت الحكم الثابت أوّلا فيه ، إلّا أنّ الظاهر من الأخبار أنّه إذا علم وجود شيء ، يحكم به حتّى يعلم زواله « 1 » . وأنت بعد الإحاطة بما تقدّم تعلم أنّ هذا التطويل لا طائل تحته ؛ فإنّك عرفت إمكان جريان الاستصحاب وحجّيّته فيما ذكره أوّلا من الحكم الذي ورد بطلبه أمر من الشارع ، وفي غيره أيضا . وإرجاعه الاستصحاب في الحكم الشرعي إلى الوضعي ، وجعله تابعا له مقلوب عليه . وما ذكره من عدم تابعيّة ثبوت حكم في جزء من الزمان لثبوته في جزء آخر مع كون نسبة السبب في اقتضاء الحكم في كلّ جزء نسبة واحدة ، يتأتّى في نفس السبب أيضا ؛ فإنّ ثبوت السبب في جزء من الزمان ليس تابعا لثبوته في جزء آخر بعد ما جعله الشارع سببا في كلّ جزء . إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ هذا الأصل أهمّ الأصول التي تبتني عليها الأحكام . والفروع له لا تحصى كثرة : كطهارة الكرّ إذا وجد متغيّرا وشكّ في تغيّره بالنجاسة ، أو بالأجون « 2 » ، وإعادة الصلاة بالشكّ في الركعتين الأوليين أو في الثنائيّة أو الثلاثيّة ، والتحريم بالشكّ في انقضاء العدّة ، ووجوب أداء الزكاة والخمس بالشكّ في أدائهما ، وصحّة الصوم لو شكّ في عروض المفطر ، وصحّة الاعتكاف لو شكّ في عروض المبطل ، وكذا الشكّ في أفعال الوضوء والصلاة والحجّ بعد الفراغ عنها ، وجواز تصرّف الولي في مال الطفل إذا شكّ في بلوغه ، وحرمة الأكل بالشكّ في الغروب ، وجوازه بالشكّ في طلوع الفجر . وقس عليها أمثالها . وقد أشرنا إلى شطر آخر منها أيضا فيما سبق « 3 » . ومن أحاط بها يجد أنّ جلّها من الصنف الأوّل ، فيجزم بحجّيّة الاستصحاب فيها ، والصنف الثاني منها نادر ، وإن عثر عليه لا يخفى عليه حقيقة الحال فيه بعد الإحاطة بما ذكرناه .
--> ( 1 ) . قاله الفاضل التوني في الوافية : 200 - 203 . ( 2 ) . « الأجون » مذكّر الجوناء ، أي الأسود . راجع القاموس المحيط 4 : 213 ، « ج ون » أو من « أج ن » ومصدره يكون « أجون » بمعنى تغيّر الماء من غير اختلاطه بشيء . راجع لسان العرب 13 : 8 ، « أج ن » . ( 3 ) . سبق في 407 و 408 .