ملا محمد مهدي النراقي
394
انيس المجتهدين في علم الأصول
وإمّا أن يكون الأصل فيه الحرمة ويشكّ في سبب الإباحة ، كمثال الثوب المخلوط من الحرير وغيره ، والجلد المطروح مع عدم قيام قرينة معيّنة ، فالظاهر من كلام جماعة البناء على التحريم « 1 » . هذا ، إلّا أن يغلب على الظنّ تأثير السبب . وإمّا أن يتساوى فيه الاحتمالان ، كطين الطريق ، وثياب مدمن الخمر ، والحكم فيه أيضا الإباحة كالأوّل ، ووجهه ظاهر ممّا تقدّم « 2 » . ثمّ أكثر الاصوليّين قسّموا الشبهة في الموضوع إلى الشبهة في المحصور والشبهة في غيره ، وأوجبوا الاجتناب في الأولى دون الثانية « 3 » . ومرادهم من غير المحصور ما كان كذلك عادة - بمعنى - تعسّر حصره - لا ما امتنع حصره ؛ لأنّ كلّ ما يوجد من الأعداد قابل للعدّ . واحتجّوا عليه بأنّ القطع حاصل بوجود الحرام أو النجس بين الأمور المحصورة ، فالحكم بحلّيّة الجميع مستلزم للحكم بحلّيّة الحرام القطعيّ ، والحكم بحلّيّة واحد منها دون غيره ترجيح بلا مرجّح . وهذا وإن كان جاريا في غير المحصور أيضا إلّا أنّ التنزّه فيه عن الجميع يوجب الحرج المنفيّ بخلاف المحصور « 4 » . وفيه : أنّ هذا ممنوع ؛ لأنّه كما يمكن الاجتناب عن الإناءين ، يمكن الاجتناب عن الأواني الكثيرة والرجوع إلى ماء آخر ، أو التيمّم من غير حرج . والاحتجاج على وجوب الاجتناب في المحصور بأنّه من باب ما لا يتمّ الواجب إلّا به « 5 » ، يجري في غيره أيضا . والجواب بأنّ الواجب مقدّمة واجب قطعيّ متعيّن وهنا ليس كذلك . ولو سلّم نقول : التخصيص جائز ؛ للأدلّة . والحقّ - كما ذهب إليه بعض المحقّقين « 6 » - : أنّ الحكم فيهما واحد وهو الإباحة ؛ لعموم
--> ( 1 ) . قاله العلّامة في تحرير الأحكام 2 : 151 ، والشهيد في ذكرى الشيعة 3 : 28 ، والشهيد الثاني في تمهيد القواعد : 311 ، القاعدة 99 . ( 2 ) . تقدّم في ص 390 . ( 3 ) . قاله الشهيد الثاني في روض الجنان 2 : 599 ، والكركي في جامع المقاصد 2 : 166 ، والبحراني في الحدائق الناضرة 1 : 503 ، والوحيد البهبهاني في الفوائد الحائريّة : 247 . ( 4 ) . قاله الشهيد الثاني في روض الجنان 2 : 599 ، والكركي في جامع المقاصد 2 : 166 ، والبحراني في الحدائق الناضرة 1 : 503 ، والوحيد البهبهاني في الفوائد الحائريّة : 247 . ( 5 ) . راجع الحدائق الناضرة 1 : 503 . ( 6 ) . منهم : المحقّق الحلّي في معارج الأصول : 208 ، والوحيد البهبهاني في الفوائد الحائريّة : 241 ، الفائدة 24 .