ملا محمد مهدي النراقي

311

انيس المجتهدين في علم الأصول

بل هو حقيقة في القول ، مجاز في الفعل ، كما ثبت في محلّه . والقول بأنّه وإن سلّم الاشتراك لكنّ المشترك لا يحمل على كلا معنييه « 1 » ، ضعيف عندنا ؛ لما تقدّم في موضعه « 2 » . وعن الثاني : بأنّ الإطاعة لا تكون إلّا بفعل ما أمر به ، وليس للفعل مدخليّة في ذلك إلّا أن يقترن به قول يقتضي التأسّي به . و [ الجواب ] عن الثالث : بأنّ المتبادر من ما آتاكُمُ ما أمركم به بقرينة قوله : وَما نَهاكُمْ . هذا ، واحتجّ الخصم « 3 » ، بأنّه لمّا جاز اختلاف تكليف النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والامّة ، وعلم اختصاصه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بخصائص لا يشترك فيها غيره ، فكلّ ما فعله يحتمل أن يكون منها وإن علم جهته بالنسبة إليه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فيكون حكمه بالنسبة إلينا كما لم يعلم جهته . وجوابه : أنّ هذا الجواز بالنظر إلى العقل . وأمّا السمع ، فقد دلّ على عموم ثبوت التأسّي به ، واشتراك الامّة معه فيما يفعله إذا علم وجهه - كما ذكر - خرج ما صرّح باختصاصه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم به ، ويبقى الباقي داخلا فيه ، ولولا ذلك لزم طرح جميع النصوص المذكورة ، وهو باطل . ثمّ إنّ النصوص المذكورة كما تدلّ على ثبوت التأسّي واشتراك الامّة معه في الفعل المعلوم جهته من الوجوب والاستحباب ، تدلّ عليه في ترك الفعل [ المعلوم ] « 4 » صفته من الحرمة والكراهة ، فكلّ ترك صدر منه وعلم أنّ فعله حرام أو مكروه ، فالامّة مثله في ذلك . وإذا عرفت ذلك ، فاعلم أنّ الفروع لهذه الصورة كثيرة ، كالحكم باستحباب التباعد عن الناس بحيث لا يرى عند التخلّي ؛ تأسّيا بالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فإنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم ير قطّ على بول ولا غائط « 5 » ، وقد علم بالقرائن أنّ التباعد بهذا النحو لم يكن واجبا عليه صلّى اللّه عليه وآله . وبكراهة استصحاب ما عليه اسم اللّه ، كخاتم ومصحف عنده ؛ لوضع النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خاتمه

--> ( 1 ) . نسبه البصري إلى القيل في المعتمد 1 : 349 . ( 2 ) . في ص 45 . ( 3 ) . أي من لم يقل بثبوت التأسّي فيما علم جهته . ( 4 ) . أضيف بمقتضى السياق . ( 5 ) . الآيات المتقدّمة آنفا .