ملا محمد مهدي النراقي

306

انيس المجتهدين في علم الأصول

عليهم التأسّي به فيه ، بل التأسّي في بعضه يكون واجبا ، وفي بعضه ندبا ، وفي بعضه مباحا ، كما سيجيء تفصيله « 1 » . وقبل الخوض فيه لا بدّ من بيان مقدّمة . وهي أنّ التأسّي في الفعل هو أن يفعل صورة ما فعل الغير على الوجه الذي فعله لأجل أنّه فعل . وفي الترك هو أن يترك مثل الذي ترك لأجل أنّه ترك . والاتّباع قد يكون في الفعل والترك وهو مثل التأسّي . وقد يكون في القول وهو امتثال ما يقتضيه من الفعل والترك . وقد وقع الخلاف في أنّ الحكم بثبوت التأسّي به هل هو شرعي فقط ، أو شرعي وعقلي معا ؟ والظاهر الأوّل ، وفاقا للشيخ « 2 » وجماعة « 3 » ؛ لأنّه يجوز اختلاف مصالح العباد في الشرعيّات ، كاختلاف حكم الفقير والغنيّ ، والحائض والطاهر ، والحاضر والمسافر ، والصحيح والعليل ، وغير ذلك ممّا لا يحصى . وإذا جاز ذلك ، فلا يمتنع أن يكون مصالح النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأوصيائه عليهم السّلام مخالفة لمصالح الرعيّة ، فلا يحكم العقل بثبوت التأسّي . واحتجاج الخصم بأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعث ليبيّن الشرائع للامّة قولا أو فعلا ، فكلّ ما صدر منه يشترك فيه جميع الناس « 4 » ، يظهر فساده ممّا ذكر . فظهر أنّ إثبات كون الامّة مثله فيما يجري فيه التأسّي موكول إلى السمع . وإذا عرفت ذلك ، فلا بدّ من بيان الصور المتصوّرة في أفعاله ، والإشارة إلى أنّ أيّ « 5 » صورة يجري فيها التأسّي سمعا وجوبا أو ندبا ، وأيّها « 6 » لا يجري فيها . فنقول : أفعاله عليه السّلام لا تخلو عن ثمانية « 7 » صور : [ الصورة ] الأولى : ما ظهر كونه من الأفعال الطبيعيّة ، كالأكل والشرب ، والنوم

--> ( 1 ) . في ص 307 . ( 2 ) . العدّة في أصول الفقه 2 : 570 و 571 و 576 . ( 3 ) . منهم : السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 2 : 570 ، والبصري في المعتمد 1 : 346 ، والعلّامة في نهاية الوصول إلى علم الأصول 2 : 556 . ( 4 ) . راجع نهاية الوصول إلى علم الأصول 2 : 556 - 557 . ( 5 إلى 7 ) . كذا في النسختين . والأولى : « أيّة ، أيّتها ، ثماني » .