ملا محمد مهدي النراقي
228
انيس المجتهدين في علم الأصول
واحد - مع مشاركة غيره له فيما صار سبب علمه « 1 » به كالمشاهدة ، أو السماع ، أو غيرهما - يكون كاذبا « 2 » . ونسبوا خلافه على الإطلاق إلى الشيعة « 3 » ، وهو فرية ؛ لأنّهم قالوا : إنّ الكذب مشروط بعدم حامل لهم على الكتمان ، فمع وجوده - كالتقيّة والرغبة وأمثالهما - لا يحكم به . فإذا أخبر واحد بأنّ فيما بين الحرمين بلدة أوسع منهما ، يحكم بكذبه ؛ لعدم تصوّر حامل على الكتمان لمن شاركه في سبب العلم . وإذا أخبر واحد بأنّ زيدا قتل عمرا ، وكان المشاركون له في سبب العلم أقرباءه « 4 » ، فلا يحكم بكذبه باعتبار كتمانهم « 5 » ؛ لوجود الداعي . ومن هذا القبيل عدم تواتر النصوص الجليّة والخفيّة على خلافة عليّ عليه السّلام عند المخالفين لو كانوا صادقين ؛ لفتور الدواعي عن نقلها رهبة ، أو رغبة . ومن هذا القبيل عدم اشتهار بعض الأحكام عن أئمّتنا عليهم السّلام مع كونها ممّا يعمّ به البلوى . واعلم أنّه ربما يتوهّم « 6 » أنّ كثيرا من معجزات الأنبياء لم يتواتر ، مع كونه ممّا يتوفّر الدواعي على نقله ، كانشقاق القمر ، وحنين الجذع ، وتسبيح الحصى ، وتكلّم عيسى في المهد ؛ فإنّ النصارى لم ينقلوا كلامه فضلا عن أن يتواتر بينهم ، وكذا لم يتواتر كثير من الأحكام الضروريّة مع مسّ الحاجة إليه ؛ والمثال ظاهر . وتحقيق المقام على وجه يندفع عنه أمثال هذه التوهّمات : أنّ توفّر الدواعي على النقل ممّا يقع فيه الاختلاف والتشكيك بالنسبة إلى الأمور ، فهو في بعضها فوق التمام ، وفي بعضها أقلّ ، وهكذا نتنزّل بالتدريج إلى العدم . وكذا عدد المطّلعين على مدلول الخبر ممّا يقع فيه التفاوت ؛ ففي مدلول بعض الأخبار يبلغ عددهم حدّ التواتر ، وفي بعض آخر يكون أقلّ ، وهكذا يتنزّل إلى أن يصل إلى الواحد .
--> ( 1 ) . في « ب » : « لعلمه » . ( 2 ) . ذهب إليه ابن الحاجب في منتهى الوصول : 73 ، والقاضي عضد الدين في شرح مختصر المنتهى 1 : 158 و 159 . ( 3 ) . نسبه ابن الحاجب ، والقاضي عضد الدين إلى الشيعة في المصدرين المذكورين . ( 4 ) . أي أقرباء زيد . ( 5 ) . في « ب » : « كتمانه » . ( 6 ) . المتوهّم هو الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2 : 58 و 59 .