ملا محمد مهدي النراقي
219
انيس المجتهدين في علم الأصول
وقيل : لو كان نظريّا لساغ الخلاف فيه ، وليس كذلك « 1 » . وفيه ما فيه ؛ فإنّ كثيرا من النظريّات القطعيّة موضع وفاق . وذهب بعض الناس إلى أنّه نظريّ « 2 » . واحتجّ : بأنّه متوقّف على أنّ المخبر عنه محسوس ، وأنّ المخبرين جماعة لا يجوز تواطؤهم على الكذب ، فيكون نظريّا ؛ لتوقّفه على الوسط . والجواب : أنّ العلم لا يتوقّف عليه ، بل هو حاصل ضرورة . ومثل هذا الوسط يمكن فرضه لكلّ ضروريّ « 3 » ، كالانقسام إلى المتساويين لزوجيّة الأربعة ، واشتمال الكلّ على جزء آخر لأعظميّة الكلّ من الجزء . نعم ، كثيرا ما يشتبه بالنظريّ ؛ لخفاء الشروط الآتية المعتبرة فيه ، فيحتاج إلى التأمّل ليظهر تحقّقها أو عدمه . ونظيره بعض التصديقات الضروريّة حيث يتوقّف العقل فيه ؛ لعدم تصوّر الطرفين ؛ فإنّه يجوز كون التصديق ضروريّا ، وتصوّر طرفيه نظريّا . وتوقّف المرتضى « 4 » ؛ لعدم دليل صالح على أحد الطرفين ، وقد عرفته « 5 » . وذهب الغزالي إلى أنّه « 6 » ليس ضروريّا لا يحتاج إلى ملاحظة الوسط مطلقا ، ولا نظريّا يحتاج إلى الحركة الفكريّة والشعور بتوسّط الوسط ، بل الواسطة حاضرة في الذهن ، إلّا أنّها لا تحتاج إلى الحركة والشعور بتوسّطها « 7 » . ومراده من الواسطة ما ذكر في حجّة القول بكونه نظريّا . ولا يخفى أنّ قوله راجع إلى ثبوت الواسطة بين الضروريّ والنظريّ ، وفساده ظاهر .
--> ( 1 ) . نسبه ابن الحاجب إلى الجمهور في منتهى الوصول : 68 ، ومختصر المنتهى : 152 . ( 2 ) . منهم : أبو القاسم البلخي ، كما في الذريعة إلى أصول الشريعة 2 : 485 ، ونسبه ابن الحاجب إلى الكعبي والبصري في منتهى الوصول : 68 ، ومختصر المنتهى : 152 . ( 3 ) . غير القضيّة الأولى ، وهي استحالة ارتفاع النقيضين ، أو عدم الواسطة بين النفي والإثبات . وأمّا استحالة اجتماع النقيضين ، فهي أيضا معلّلة باستلزام اجتماعهما ثبوت الواسطة . ( 4 ) . الذريعة إلى أصول الشريعة 2 : 485 . ( 5 ) . آنفا . ( 6 ) . أي العلم الحاصل من التواتر . ( 7 ) . المستصفى : 106 و 107 .