ملا محمد مهدي النراقي

217

انيس المجتهدين في علم الأصول

وأمّا على القول بكونه ضروريّا « 1 » ، فبأنّ الضروريّات قد تختلف لا في حصول القطع وعدمه ؛ فإنّه متحقّق في جميعها ، بل في سرعة الانتقال وأمثاله « 2 » ، والفرق هنا لذلك . ومنها : أنّه يجوز أن يجتمع جمع كثير يتحقّق به التواتر على خبر كاذب ؛ لاعتيادهم الكذب ، كما نشاهد من كثير الناس ، أو لخوف من سلطان وأمثاله ، أو لدفع فساد عن أنفسهم ، أو لطمع دنيويّ أو دينيّ ، كما وضع كثير من الزهّاد أحاديث دالّة على فضائل الأوقات ؛ لحمل الناس على العبادة . أو للالتباس عليه إمّا لغلط البصر ، أو لعروض بعض الحالات ، كالفكر والخوف الشديدين ؛ فإنّ الإنسان قد يرى في مثل هذين الحالين صورا لا تحقّق لها في الخارج . أو لاشتباه حالة بأخرى ، كالسكتة بالموت ، أو ذات بأخرى . وهذا جائز عقلا ؛ لأنّ اللّه يقدر على خلق مثل زيد في جميع مشخّصاته ، ونقلا ؛ لأنّ المسيح شبّه بغيره « 3 » ، وجبرئيل تصوّر بصورة دحية الكلبي « 4 » ، وتشكّلت الملائكة يوم بدر بأشكال بني آدم « 5 » ، وأمثال ما ذكر كثيرة . والجواب : أنّ هذه احتمالات نادرة لا يلتفت إليها العقول السليمة ، مع أنّ موضع النزاع اجتماع عدد التواتر على إحداها « 6 » ، وهذا أمر لا يكون . على أنّا نقول : حصول العلم عقيب الخبر المتواتر ضروري ، فهذا تشكيك في مقابله ، فإن كانت « 7 » صالحة للإيراد ، فإنّما ترد على من رام إثبات حصول العلم عن المتواتر بالدليل . ومنها : أنّه لو حصل العلم من الخبر المتواتر لزم حصوله ممّا ادّعى اليهود والنصارى من تواتر النقل من موسى وعيسى بأنّه لا نبيّ بعده « 8 » .

--> ( 1 ) . نسبه السيّد المرتضى إلى أبي علي وأبي هاشم ومن تبعهما في الذريعة إلى أصول الشريعة 2 : 485 ، ولكنّ ابن الحاجب نسبه إلى الجمهور في المصدرين . ( 2 ) . كذا في النسختين . والأولى : « عدمها » أو « أمثالها » . ( 3 ) . حكاه الفخر الرازي في المحصول 4 : 246 . ( 4 ) . المصدر : 247 . ( 5 ) . المصدر : 248 . ( 6 ) . أي الاحتمالات . والمراد أنّ اجتماع عدد التواتر على اعتياد الكذب ، أو الخوف من السلطان ، أو الدفع أمر لا يكون . ( 7 ) . الضمير المستتر راجع إلى الاحتمالات . ( 8 ) . حكاه الشيخ حسن في معالم الدين : 184 .