ملا محمد مهدي النراقي
212
انيس المجتهدين في علم الأصول
قلت : أمّا على التقدير الأوّل ، فإنّا لا نسلّم أنّ كلّ خبر يصحّ أن يراد منه الإنشاء . سلّمناه ولكن لا نسلّم جوازه في صيغ العقود ؛ لأنّها متلقّاة من الشرع . وأمّا على [ التقدير ] الثاني ، فإنّ المراد من الإنشاء غير الخبر - أي ما ليس لنسبته خارج - ، وهذا مفهوم كلّي له أفراد مختلفة بعضها إحداث الفعل في الحال ، وبعضها إحداثه في الاستقبال ، وبعضها طلب الفعل ، وبعضها معان أخر ، ووقوع العقد بواحد منها للمناسبة لا يستلزم وقوعه بغيره ممّا ينافيه . الثالث : الحقّ - كما أشرنا إليه « 1 » - أنّ صيغ العقود إذا قصد بها حدوث الحكم تكون إنشاء ؛ لصدق حدّ الإنشاء عليها ، وعدم صدق الخبر عليها ؛ ولأنّها لمّا كانت صيغ الماضي ، فلو كانت أخبارا « 2 » لبقيت على ما كانت عليه من كونها ماضية ؛ لعدم ورود مغيّر حينئذ ، بخلاف ما لو كانت إنشاء . وحينئذ لم تقبل التعليق ؛ لأنّه يتصوّر فيما لم يقع بعد ، مع أنّها قابلة له إجماعا . وخالف بعض الناس وقال : إنّها أخبار « 3 » ؛ محتجّا بأنّ الخبر إمّا أن يخبر عمّا في الخارج ، أو عمّا في الذهن ، والصيغ المذكورة من الثاني . وحينئذ يصدق عليها حدّ الخبر دون الإنشاء ، وتبقى على ما كانت عليه من كونها ماضية ، ولم تقبل التعليق ، بل القابل له حقيقة ما في الذهن ، واللفظ إخبار عنه ، فكأنّه قال : ثبت في ذهني تعليق الطلاق « 4 » . ولا يخفى أنّه لو بني الأمر على تعميم الخبر واكتفي فيه بالإخبار عمّا في الذهن ، فات المطابقة وعدمها ، ولم يتحقّق فيه صدق وكذب ؛ لأنّ المطابقة هي موافقة النسبة العقليّة للخارجيّة ، وما في الذهن ليس إلّا النسبة العقليّة ، فإذا لم يكن له خارج ، لا معنى للمطابقة حينئذ .
--> ( 1 ) . في ص 211 . ( 2 و 3 ) . يجوز بكسر الهمزة أيضا . ( 4 ) . حكاه القرافي عن الحنفيّة في الفروق 1 : 28 و 29 ، والشهيد في القواعد والفوائد 1 : 254 ، ذيل قاعدة 83 ، والشهيد الثاني في تمهيد القواعد : 245 ، الباب الثامن في الأخبار .