ملا محمد مهدي النراقي
210
انيس المجتهدين في علم الأصول
واحتجّوا عليه : بأنّ هذه الصيغة قد تصدر عن الساهي والمجنون والنائم وأمثالهم ممّن لا قصد له إلى شيء أصلا ، وقد تصدر عمّن يقصد بها غير الخبر مجازا ، كقوله تعالى : وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ « 1 » ، وقوله : فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ « 2 » ، ولا شكّ أنّ الصيغة في الصورتين ليست خبرا ، وليس ذلك إلّا لعدم القصد إلى الخبريّة ، فصيغة الخبر لا تحمل عليه ما لم يتحقّق مرجّح القصد « 3 » . وذهب الأكثر إلى عدم الاحتياج إلى القصد ، وهو الحقّ ؛ لأنّ ما وضع للخبر هو الصيغة فقط من دون اعتبار القصد ، فالوضع مرجّح لا يفتقر إلى غيره ، فعند الإطلاق يجب حملها عليه . وصدورها عن الساهي وأمثاله لا يخرجها عن الخبريّة لغة ، إلّا أنّه لا يترتّب عليها فائدة الخبر ؛ لأنّها موقوفة على صدورها عن عاقل . وليس هذا خاصّا بالخبر ، بل كلّ كلام حكمه كذلك . واستعمالها في بعض الأحيان في غير الخبر مجازا لا يدلّ على اعتبار القصد ، بل كون الاستعمال مجازيّا حينئذ دليل على عدم اعتباره . وبالجملة ، صيغة الخبر وحدها حقيقة فيه ، وصيغة الإنشاء حقيقة فيه . وعند الإطلاق يجب حمل كلّ واحد منهما على معناه الحقيقي . ولمّا كان بين الخبر والإنشاء مناسبة ، يصحّ أن يطلق ما وضع لأحدهما على الآخر مجازا . ومن هذا القبيل استعمال صيغ العقود ، ك « بعت » و « أنكحت » و « طلّقت » وأمثالها في الإنشاء ؛ فإنّها في اللغة أخبار ، إلّا أنّ الشرع استعملها إنشاء ؛ لأنّه يقصد منها حدوث الحكم وهي موجدة له عند التّلفظ ، وهذا معنى الإنشاء . والحقّ : أنّ هذا الاستعمال من الشرع في أوّل الأمر إنّما كان مجازا لأجل المناسبة ؛ لعدم ثبوت النقل ، وهل صار هذا الاستعمال غالبا بحيث يتبادر عنها معنى الإنشاء حتّى تكون حقيقة فيه ؟
--> ( 1 ) . المائدة ( 5 ) : 45 . ( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 197 . ( 3 ) . راجع : الذريعة إلى أصول الشريعة 2 : 478 ، والعدّة في أصول الفقه 1 : 64 ، والمحصول 4 : 223 .