ملا محمد مهدي النراقي
205
انيس المجتهدين في علم الأصول
والجواب : أنّ الصدق والكذب من الأعراض الذاتيّة للخبر لا من أنواعه ؛ فإنّ الصدق هو المطابقة ، والكذب اللامطابقة ، أي مطابقة الخبر وعدم مطابقته ؛ لأنّهما لمّا كانا من الأعراض الذاتيّة له فلا يعرضان لغيره ، وتعريف الشيء بالعوارض الذاتيّة صحيح غير مستلزم للدور ؛ لأنّ معرفة العرض الذاتي لا تتوقّف على معروضه ، ومجرّد ذكر المعروض في تعريف العرض الذاتي لما ذكر - بعد القطع بخروجه عن حقيقته وذاتيّاته - لا يصحّح التوقّف . وهذا كما يقال : الأبيض جسم له الكيفيّة الخاصّة ، مع أنّ الجسم ليس من ذاتيّات الأبيض ، فذكره لأجل أنّ البياض من عوارضه اللازمة . هذا ، وربما قيل : إنّ الصدق المأخوذ في تعريف الخبر هو المعنى المصدري ، وما عرّف بالخبر هو المشتقّ - أي الصادق - فلا دور « 1 » . وفيه تأمّل ؛ لأنّ تعريف الصادق بالخبر المطابق مستلزم لتعريف الصدق بموافقة الخبر للمخبر به ، أو بالإخبار عن الشيء على ما هو عليه . ثمّ المراد من كونه محتملا للصدق والكذب أن يكون محتملا لهما من حيث هو ، أي نظرا إلى مفهومه الظاهر مع قطع النظر عن الأمور الخارجة ، فلا يرد النقض بكلام يكون صادقا أو كاذبا قطعا . وبمثل قولنا : « الإنسان حيوان ناطق » إذا قصد به التحديد ؛ لأنّ المطلوب منه التصوّر لا التصديق بثبوت الحدّ للمحدود ، فلا يجري فيه الصدق والكذب . ومن هذا القبيل ما لو قيل : كلامي كاذب في هذه الساعة ، وأراد منه هذا الكلام ؛ فإنّه لا يحتمل الصدق أو الكذب ؛ لأنّ صدقه مستلزم لكذبه ، وبالعكس ، فلا يكون خبرا ، بل إنشاء . والسرّ أنّ الصدق والكذب إنّما يعرضان لما كان له خارج يتصوّر بينهما المطابقة وعدمها ، وهنا لم يتحقّق ذلك . نعم ، لو ابقي هذا الكلام على ظاهره وأريد غيره كان خبرا . وأورد عليهما « 2 » أيضا : بأنّه إن عطف بين الصدق والكذب بالواو ، لزم أن يكون كلّ
--> ( 1 ) . قاله التفتازاني في المطوّل : 36 في أحوال الإسناد الخبري . ( 2 ) . أي على التعريفين للخبر .