ملا محمد مهدي النراقي
152
انيس المجتهدين في علم الأصول
على أنّ المأمور به ليس هو الماهيّة الكلّيّة ، بل بعض الأفراد ، بخلاف الصورة الخامسة ؛ فإنّ المأمور به فيها ماهيّة ، والمنهيّ عنه ماهيّة أخرى . والحقّ : عدم الفرق في نفس الأمر بين الصورة الرابعة والخامسة ؛ لأنّه كما يمكن أن يقال في الخامسة : لا امتناع في تعلّق الأمر بالطبيعة الكلّيّة وهي مطلوبة ، والغرض من النهي عدم حصول المنهيّ مقارنا لها ، وإن حصل مقارنا لها كان ممتثلا للأمر ، فلا حاجة إلى تقييد الأمر بغير المنهيّ عنه ، يمكن أن يقال ذلك في الرابعة أيضا بعينه . وكما يمكن أن يقال في الرابعة بأنّ النهي عن الفرد الخاصّ يدلّ على أنّ المراد بالمأمور به بعض أفراد الطبيعة ، يمكن أن يقال ذلك في الخامسة أيضا بعينه ، إلّا أنّه يبدّل النهي عن الفرد الخاصّ بالنهي عمّا يتحقّق المأمور به في ضمنه بعض الأوقات . وهذا هو الحقّ . فلا فرق بين ما ينفكّ فيه الجهتان ، وبين ما ينفكّ فيه إحدى الجهتين في عدم جواز الاجتماع . هذا ؛ واعلم ، أنّ قول القاضي فيما وافقنا - من عدم الصحّة « 1 » - فلا كلام فيه . وأمّا ما تفرّد به من كونه مسقطا للفرض « 2 » ، ففساده في غاية الظهور ، غير محتاج إلى البيان . [ الصورة ] السادسة : أن يتعلّق الوجوب والكراهة بالواحد الشخصي ، كالصلاة في الحمّام وغيره من المواضع المعروفة ، وقد ثبت في الشرع كراهة الصلاة فيها « 3 » ، وكذا كراهة الصوم في بعض الأزمنة « 4 » ، ولذا استدلّ الأشعري بثبوتهما على ما ذهب إليه من جواز اجتماع الوجوب والحرمة ؛ لأنّ الأحكام متضادّة ، فإذا جاز اجتماع الوجوب والكراهة ، يجوز اجتماع الوجوب والحرمة أيضا . وقد اضطرب القوم في تصحيح ذلك ، فقال بعضهم « 5 » : الكراهة لا تتعلّق بنفس الفعل ، بل بوصفه ، فمتعلّق الكراهة في الصلاة في الحمّام التعرّض للنجاسة ، أو لكشف العورة ، وفي
--> ( 1 ) . تقدّم في ص 147 . ( 2 ) . حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 158 ، والفخر الرازي في المحصول 2 : 290 . ( 3 ) . راجع الكافي 3 : 387 ، باب الصلاة . . . في البيع والكنائس والمواضع التي تكره الصلاة فيها . ( 4 ) . كيوم عرفة إذا أضرّ بالدعاء ، ويوم عاشوراء ، ويوم الأضحى وغيرها . راجع الكافي 4 : 145 - 148 ، باب الحائض والمستحاضة ، ح 1 - 11 . ( 5 ) . راجع : الإحكام في أصول الأحكام 1 : 162 ، وقوانين الأصول 1 : 143 .