ملا محمد مهدي النراقي

139

انيس المجتهدين في علم الأصول

ومقدّمته لكونها وسيلة إليه تشتمل على تلك المصلحة بعينها ، فتكون واجبة . ولمّا فهم هذا الاشتمال من الأمر بذي المقدّمة ، فيكون الأمر بها تابعا له . ومنها : أنّه قد ورد في بعض الآيات والأخبار المدح على فعل مقدّمة الواجب « 1 » ، وفي بعضها الذمّ على تركها ، وهذا مستلزم لوجوبها . ومنها : أنّ السيّد إذا أمر عبده بفعل ، وكان قادرا على تحصيل مقدّمته ، فتركه واعتذر في ذلك بفقدها أو عدم وجوبها ، يذمّه العرف . ولا يخفى أنّ ذمّ العرف حقيقة على اعتذاره وإن توجّه على ترك أصل الفعل أيضا . فاندفع ما قيل في الجواب : إنّ الذمّ يتوجّه على ترك الفعل ، لا على ترك مقدّمته « 2 » . هذا ، واستدلّ عليه أيضا ؛ بأنّه لو لم يجب المقدّمة مع وجوب ذي المقدّمة ، يلزم التكليف بما لا يطاق ، ومع عدمه يلزم خروج الواجب المطلق عن وجوبه ، واللازمان باطلان « 3 » . وأجيب : بتسليم وجوبه ، وعدم لزوم التكليف بما لا يطاق ؛ فإنّ المحال وجوب الفعل عند عدم وجود مقدّمته ، لا عند عدم وجوبها ؛ فإنّ الإتيان بذي المقدّمة مع عدم وجودها محال ، فيلزم اللازم المذكور . وأمّا مع وجودها ، فيمكن الإتيان به وإن لم تكن واجبة . والمطلوب أنّ وجوبها حينئذ عقلي ، أي لا بدّ من فعلها ، وليس لها وجوب شرعي ، أي تعلّق خطاب الشرع بها بحيث لو تركت ترتّب عليها « 4 » إثم على حدة . فهذا الدليل ممّا يثبت به الوجوب العقلي لا الشرعي « 5 » . وقيل عليه أيضا : إنّه لو ورد ما ذكر ، يلزم وروده في صورة وجوب المقدّمة أيضا ؛ لأنّ وجوبها شرعا لا يستلزم وجودها عقلا . فإن عدمت ، فإمّا أن يبقى الفعل واجبا ، أو لا ، فعلى

--> ( 1 ) . كآية 6 من سورة المائدة ( 5 ) : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ . . . ، والأحاديث الآمرة بالصلاة إلى أربع جهات عند اشتباه القبلة ، فراجع الفقيه 1 : 278 ، ح 854 ، والصلاة في الثوبين عند اشتباه الطاهر بالنجس . فراجع : الفقيه 1 : 249 ، ح 756 ، وتهذيب الأحكام 2 : 225 ، ح 887 . ( 2 ) . أجاب به القمّي في قوانين الأصول 1 : 105 . ( 3 ) . راجع معالم الدين : 62 . ( 4 ) . أي على تركها . ( 5 ) . راجع معالم الدين : 62 .