ملا محمد مهدي النراقي
122
انيس المجتهدين في علم الأصول
وبذلك يكون من أفراد الواجب التخييري . وغرض القوم ليس إلّا إثبات المباح عينا ، ولا يضرّهم اتّصافه بالوجوب من جهة أخرى ، سيّما وقد بلغت كثرة الأفراد لأكثر المقدّمات الواجبة إلى حدّ اضمحلّ الوجوب بالنسبة إلى كلّ فرد منها . هذا ، وفوق ذلك كلام ، وهو إنّ كلّ واحد من الأمور المباحة ليس في كلّ وقت من أفراد الواجب التخييري ، بل إذا حصل به ترك الحرام . فكلّ واحد منها مباح عينا ، وقد يتّصف بالوجوب باعتبار عارض ، وهذا جائز ؛ فإنّ القبيح قد يصير حسنا وبالعكس بسبب خارج ، فالمباح الذي حصل به ترك الحرام يكون واجبا من هذه الجهة ، فإذا تعرّض بعده لمباح آخر - لم يحصل به ترك الحرام ، ولكن كان بحيث لو لم يعمل المباح الأوّل لحصل ترك الحرام به - لا يكون واجبا ، مثلا إذا أطبق الفم لترك شرب الخمر ، يكون واجبا من باب المقدّمة . ثمّ إذا وضع اليد على الفم لا يكون واجبا ؛ لعدم كونه من المقدّمة . ويعلم من هذا أنّ هذه المباحات لا تتّصف بالوجوب إذا لم يكن فعلها لأجل ترك الحرام ، بل فعلت في وقت لم يسبق بإرادة الحرام ، بل لم يخطر بباله أيضا . كيف ؟ وفي هذه الحالة « 1 » ليست مقدّمات للواجب الحقيقي ؛ لأنّ عدم الحرام - من دون كفّ النفس عنه وقصد استمراره مع خطوره بالبال - لا يتّصف بالوجوب ، وإلّا لزم أن يثاب كلّ إنسان في كلّ وقت بعدم صدور كلّ محرّم عنه ، وهو باطل ، فجميع المباحات مباحة عينا في كلّ وقت ، ومن شأنها أن تتّصف بالوجوب باعتبار عارض ، وقد تتّصف بالفعل إذا حصل العارض ، كما أنّ من شأن جميع القبائح أن تتّصف بالحسن في بعض الأوقات بسبب عارض ، وقد تصير حسنة بالفعل وبالعكس ، وليس حال أفراد الواجب التخييري كذلك ، بل هي متّصفة بالوجوب مع قطع النظر عن عارض وسبب خارجي ، فتأمّل . ثمّ فوق هذا أيضا كلام ، وهو أنّ شيئا من المباحات ليس مقدّمة لترك الحرام ، ولا فردا منه ؛ لأنّ الترك هو الكفّ ، ولا دخل له بالأمور المباحة . نعم ، هي مقارنة له كباقي الأحكام . مثلا ترك الحرام هو الكفّ عن شرب الخمر ، ولا دخل له بإطباق الفم أو الكلام أو أمثالهما .
--> ( 1 ) . أي حالة عدم اقتران فعل المباح بإرادة الحرام .