الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
83
انوار الأصول
الوجوب فلا بأس به لأنّ المعتبر دلالته على رجحان الفعل وترتّب الثواب فيصير بضميمة أخبار من بلغ دليلًا على الاستحباب . هذا كلّه هو ما أورد على أخبار من بلغ من الإيرادات حيث كان الأوّل منها إيراداً من ناحية السند والباقي من ناحية الدلالة ، وكان أهمّها الذي لا يمكن الجواب عنه ، هو الإشكال الثاني وحينئذٍ لا يمكن التمسّك بهذه الأخبار لإثبات استحباب ما أمرت به الأخبار الضعاف ، فلا يجوز الفتوى بالاستحباب بل لا بدّ أن يقيّد بلزوم إتيان العمل بقصد الرجاء ، وبهذا يسقط كثير من المستحبّات الواردة في كتب الفتوى والرسائل العمليّة ، فاللازم الإتيان بها بقصد الرجاء لا الورود ، إلّا إذا كان دليلها الأخبار المعتبرة لا الضعاف . ثمّ إنّه لو سلّمنا دلالتها على الاستحباب فليس مفادها حجّية الخبر الضعيف بعنوان مسألة اصوليّة بحيث يكون مثل قوله عليه السلام : « ما أدّيا عنّي فعنّي يؤدّيان » بل إنّ مفادها مجرّد إعطاء قاعدة كلّية فقهيّة وهي استحباب العمل بعنوان ثانوي وهو عنوان البلوغ . والفرق بين الأمرين يظهر في بعض الفروع نظير ما مثّل به الشيخ الأعظم الأنصاري رحمه الله في رسائله من غسل المسترسل من اللحية في الوضوء ، فالحكم باستحبابه من باب دلالة خبر ضعيف عليه لا يوجب جواز المسح ببلله لأنّ المسح لا بدّ من أن يكون من بلل الوضوء ، ولا يصحّ ببلل ما ليس منه ولو كان مستحبّاً فيه إلّا إذا ثبت كونه جزءاً مستحبّاً من الوضوء بدليل معتبر ، فلا إشكال حينئذٍ في جواز المسح به . أضف إلى ذلك كلّه خروج هذه الأخبار عن محلّ النزاع ( وهو تصحيح العبادة الاحتياطيّة ) لأنّه إمّا أن تكون أخبار من بلغ كافية لإثبات الاستحباب الشرعي أو لا ، وفي كلا الحالين يكون البحث عنها خارجاً عن محلّ النزاع ، أمّا على الأوّل فلأنّ محلّ البحث في المقام ما إذا لم يكن في البين حجّة على الوجوب أو الاستحباب وأريد الاحتياط ، فلو كانت هذه الأخبار كافية لإثبات الحجّية للخبر الضعيف فلا معنى لإتيان العمل بقصد الاحتياط كما لا يخفى . وأمّا على الثاني فلأنّ المفروض في محلّ الكلام عدم كفاية قصد الرجاء مع أنّ مقتضى التعبير الوارد في هذه الأخبار لزوم قصد الرجاء في هذه الموارد ، فلا فائدة في الاستناد إلى أخبار من بلغ لما هو محلّ البحث .