الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

608

انوار الأصول

سائر الفنون والحرف لأنّه لا ريب في أنّ الشكّ في الخلاف موجود على الأقل في غالب الموارد . هذا مضافاً إلى أنّه لا مانع لشمول إطلاقات الحجّية لغير الأعلم في هذه الموارد لأنّه لا موجب لانصرافها . إن قلت : التمسّك بالإطلاقات والعمومات في ما نحن فيه يكون من قبيل التمسّك بالعام في الشبهات المصداقيّة للمخصّص لأنّا نعلم بتخصيص هذه العمومات بموارد العلم بالمخالفة . قلنا : إنّ دائرة الدليل المخصّص في المقام تكون في موارد العلم بالاختلاف لا موارد الاختلاف في الواقع ، فإنّ الدليل على التخصيص هو سيرة العقلاء ، وهي مختصّة بموارد العلم بالخلاف لا موارد الخلاف واقعاً سواء علمنا بها أو لم نعلم ، ولا إشكال في أنّ عدم جواز التمسّك بالعام في الشبهات المصداقيّة للمخصّص خاصّ بما إذا كان المستثنى من عموم العام بدليل المخصّص هو العنوان الواقعي لا العنوان المقيّد بالعلم . إن قلت : الشبهة في المقام حكميّة ولا يجوز التمسّك بالعمومات في الشبهات الحكميّة إلّا بعد الفحص . قلنا : إنّ الشبهة في ما نحن فيه موضوعيّة لا حكميّة ، لأنّه لا شكّ لنا في حكم اللَّه الكلّي فإنّا نعلم على نحو كلّي بأنّه يجوز التقليد إلّا في موارد العلم بالخلاف ، وإنّما الشكّ في تحقّق موضوع الخلاف وعدمه خارجاً . بقي هنا شيء : مدار الأعلميّة على ما ذا ؟ قد مرّ أنّ المعيار فيه هو شدّة القوّة والقدرة على استخراج الأحكام الشرعيّة من أدلّتها إجمالًا ، ولا إشكال في أنّ معرفة هذا ليس مشكلًا لأهل الخبرة ولو كانوا في المراتب التالية بالنسبة إلى المجتهد محتمل الأعلميّة ، وهذا ما ندركه بوجداننا العرفي ، فمن كان له معرفة بقواعد الشعر وموازينه مثلًا يقدر على أن يعيّن بعض الشعراء المعروفين ممن هو أقوى من هذه الناحية ، أو شاعر متوسّط له حظّ من هذه الملكة وكذلك نرى أبنية كثيرة في غاية الاستحكام والجودة ، ونرى فرقاً كثيراً بينها وبين أبنية أخرى لا يرى فيها هذه المزيّة ، ونعلم قطعاً أنّ المعمارين في القسم الأوّل كانوا أقوى وأعلم وأكثر خبرة وأحسن ذوقاً من المعمارين في القسم