الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

602

انوار الأصول

التعبيرات الواردة في هذه الآيات ففي قوله تعالى : « إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ » « 1 » حيث جعل الظنّ قريناً لهوى الأنفس ، كما أنّ في قوله تعالى : « إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلّا يَخْرُصُونَ » « 2 » حيث جعل قريناً للخرص والتخمين بلا دليل . ويشهد على ذلك أيضاً أنّ من ظنونهم ما جاء في قوله تعالى ( قبل الآية الأولى من الآيتين المزبورتين ) « أَ لَكُمْ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ » فقد نفت هذه المزعمة : أنّ لهم الذكر وللباري تعالى الأنثى ، لأنّه وهم غير معقول ولا يعتمد على الحجّة والدليل ، بل الدليل العقلي القطعي على خلافه . ويؤيّد ذلك كلّه ما ذكرنا آنفاً من أنّ الظنون المعتبرة العقلائيّة تعدّ علماً عند العرف كما يساعد عليه وجداننا العرفي وارتكازنا العقلائي . وأمّا عن الطائفة الثانية : فهو واضح جدّاً ، لأنّ التقليد على خمسة أقسام : تقليد الجاهل عن الجاهل ، وتقليد العالم عن الجاهل ، وتقليد العالم عن العالم ، وتقليد الجاهل عن العالم الفاسق ، وتقليد الجاهل عن العالم العادل ، ولا إشكال في أنّ الأربعة الأول ممنوعة مذمومة عقلًا وشرعاً ، والجائز الممدوح منها هو القسم الأخير ، كما لا إشكال في أنّ التقليد في مورد آيات هذه الطائفة إنّما هو تقليد الجاهل عن الجاهل ، كما يشهد عليه قوله تعالى : « أَ وَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ » الوارد في الآية الأولى منها . وبهذا يظهر الجواب عن الروايات الناهية عن التقليد ، فإنّها أيضاً أمّا وردت بالنسبة إلى تقليد الجاهل عن الجاهل ، أو تقليد الجاهل عن العالم الفاسق ، وكلاهما ممنوعان عند العقل والشرع . هذا كلّه في المقام الأوّل من البحث في أحكام التقليد .

--> ( 1 ) سورة النجم : الآية 23 . ( 2 ) سورة الأنعام : الآية 116 .