الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

595

انوار الأصول

صورة حصول الظنّ كما هو محلّ النزاع في المقام ، وبعبارة أخرى : أنّ للآية قدر متيقّن في مقام التخاطب فإطلاقها ليس بحجّة لعدم حصول جميع مقدّمات الحكمة . والجواب عنه : أنّ الآية مطلقة ، ومجرّد وجود قدر متيقّن في مقام التخاطب لا ينافي الاطلاق كما ذكرناه في محلّه ، وإلّا لاختلّ غالب النصوص المطلقة لنزولها أو ورودها في مقامات خاصّة . ثانيهما : أنّها في مقام بيان وظيفة المجتهد لا المقلّد ، فلا اطلاق لها من هذه الجهة . وفيه : أنّه مجرّد دعوى لا شاهد عليها ، بل الظاهر كون الآية في مقام البيان من الجانبين . منها : آية السؤال ، وهي قوله تعالى : « وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ » « 1 » وقوله تعالى : « وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ » « 2 » ( والفرق بينهما هو إضافة كلمة « من » في الثانية ) . هذه الآية من جهة أقوى دلالة من آية النفر لأنّها في مقام بيان وظيفة المقلّد وتلك كانت في مقام بيان وظيفة الفقيه والمجتهد على قول . وتقريب الاستدلال بها واضح ، فإنّ المراد من أهل الذكر أهل العلم والقرآن من العلماء كما نصّ عليه جماعة . ولكن أورد عليه أوّلًا : بأنّ موردها وشأن نزولها إنّما هو أهل الكتاب في باب أصول الدين التي يعتبر فيها تحصيل العلم ، فيكون الأمر بالسؤال من أهل الذكر لتحصيل العلم من أقوالهم فيعمل بالعلم لا بأقوالهم تعبّداً ليثبت المطلوب . وثانياً : بأنّ ذيلها وهو قوله تعالى : « إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ » أقوى شاهد على أنّ الغرض من السؤال هو العلم فالآية تقول : « إن كنت لا تعلم فاسأل حتّى تعلم » . لكن الإنصاف إمكان دفع كليهما . . . أمّا الإيراد الأوّل : فلأنّ المورد ليس مخصّصاً والآية مطلقة تعمّ السؤال عن أصول الدين وغيرها ، وتقييد بعض المصاديق ( وهو أصول الدين ) بالعلم بدليل من الخارج لا يوجب تقييد سائر المصاديق به واعتباره فيها ، فكما أنّه يمكن تقييد جميع المصاديق بدليل منفصل كقوله : « لا

--> ( 1 ) سورة الأنبياء : الآية 7 . ( 2 ) سورة النحل : الآية 43 .