الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
593
انوار الأصول
للعدول ، وهذا بخلاف ما إذا قلنا أنّ التقليد هو الاستناد إلى فتوى المجتهد في مقام العمل ، لأنّه حينئذٍ لم يتحقّق منه تقليد المجتهد ليحرم عليه العدول بل لا يكون رجوعه لغيره عدولًا من مجتهد إلى مجتهد آخر « 1 » . ولكن يرد عليه : أنّ هذا إنّما يتمّ لو كان دليل الجواز على البقاء على تقليد الميّت أو العدول من حي إلى آخر هو معاقد الإجماعات المشتملة على لفظ التقليد ، ولكن قد عرفت في السابق وسيأتي مشروحاً إن شاء اللَّه أنّه ليس كذلك ، فهذه الثمرة أيضاً ساقطة . مسائل التقليد ويقع البحث فيه في ثلاث مقامات : 1 - جواز التقليد للعامي لا إشكال في أنّه لا بدّ من أن يكون العامي مجتهداً في خصوص هذه المسألة التي لا مئونة لاستنباطها واجتهادها ، فإنّ لزوم رجوع الجاهل إلى العالم أمر ارتكازي لجميع العقلاء ، وسيأتي أنّ المهمّ والعمدة في باب التقليد إنّما هو بناء العقلاء ، وما يشاهد من أنّهم يكتبون في ابتداء رسائلهم العمليّة من أنّه لا بدّ للعامي أن يجتهد في خصوص هذه المسألة فهو لمجرّد تقريب الذهن وإرشاد العامي . إذا عرفت هذا فاعلم أنّه استدلّ لجواز التقليد بأُمور أربع : الأمر الأوّل : ( وهو العمدة في المسألة ) سيرة العقلاء في جميع أعصار وأنحاء العالم وجميع الصنائع والتجارات والزراعات والعلوم المختلفة البشريّة كعلم الطب وشعبه المتفاوتة ( طبّ الإنسان وطبّ الحيوان وطبّ النبات ) وغيره من سائر العلوم ، بل جميع المجتهدين والمتخصّصين للعلوم البشريّة يكون تخصّصهم واجتهادهم في فنون طفيفة معدودة ، وأمّا بالإضافة إلى سائر الفنون والحرف فيكونون مقلّدين ، فالمجتهد في علم الفقه مثلًا يقلِّد الأطباء
--> ( 1 ) التنقيح : ج 1 ، ص 81 - 82 .