الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
551
انوار الأصول
معقّدة ، وهكذا في القدرة على الطبابة ، فإنّها تبتدأ من المعالجات البسيطة إلى مراحل معقّدة عميقة ، بل قد يكون الاجتهاد المطلق في بعض العلوم الجديدة كالطب من المحالات ، فإنّ كلّ طبيب يمكن له أن يجتهد ويستنبط في مجال خاصّ من الطبابة . إن قلت : إنّ قياس ملكة الاجتهاد في المسائل الفقهيّة بسائر الملكات مع الفارق ، لأنّ مدارك الاستنباط وأصوله وقواعده في باب من الفقه متّحدة مع الأصول الجارية في أبواب اخر . قلنا : أنّه كذلك ، ولكن يمكن التفكيك في المسائل الاصوليّة أيضاً من حيث الصعوبة والسهولة ، فيتطرّق التقسيم والتجزّي فيها ، ولا إشكال حينئذٍ في ورود التجزّي إلى المسائل الفقهيّة التي تنطبق عليها ، فمثلًا مسألة اجتماع الأمر والنهي من المسائل المشكلة في الأصول ، ومن لا يقدر على حلّها والاجتهاد فيها لا يقدر على حلّ ما يرتبط بها من الفروعات الفقهيّة في باب الصّلاة والصوم والحجّ وغيرها . هذا أوّلًا . وثانياً : قد مرّ أنّ الإحاطة بعلم الأصول وحده لا تكفي لحصول ملكة الاجتهاد ، بل لا بدّ من التمرين والممارسة ، ولا ريب في أنّ للممارسة مراحل مختلفة ودرجات متفاوتة ، وبحسبها يتجزّأ الاجتهاد في الفقه ، وهذا هو ما ذكرنا من أنّ الاجتهاد المطلق يستحيل عادةً من دون العبور عن الاجتهاد المتجزّي . وقد يقال : إنّ الوصول إلى الاجتهاد المطلق من دون طيّ مرحلة التجزّي يلزم منه الطفرة التي قضى العقل ببطلانها . ولكن يمكن الجواب عنه : أنّ المراد من الطفرة تقديم ما هو في رتبة متأخّرة أو بالعكس ، كتقديم ذي المقدّمة على المقدّمة ، والمعلول على العلّة ، ومثل رفع الأقدام المتأخّرة قبل الاقدام المتقدّمة في العلل الأعدادية ، فهي تتصوّر فيما إذا كان هناك ترتيب عقلًا ، وهو مفقود في ما نحن فيه . إذا عرفت هذا فاعلم أنّه يبحث في أحكام المجتهد المتجزّي عن أمور ثلاثة : أحدها : جواز عمل المجتهد المتجزّى برأيه والتحقيق فيه التفكيك بين صورتين :