الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

540

انوار الأصول

فالعقول » « 1 » ، وهكذا جمعت مدرسة أهل البيت عليهم السلام بين حماية الشريعة من فكرة النقص وحماية العقل من مصادرة الجامدين ( انتهى ) « 2 » . ومن هنا يتّضح أنّهم لما ذا سدّوا باب الاجتهاد في النهاية فإنّ هذا التفريط من نتائج ذلك الإفراط ولوازمه القهرية كما لا يخفى . وكيف كان ، لا بدّ من تحديد نظر علماء الإماميّة في هذا المجال وأنّهم لما ذا ردّوا هذا النوع من الاجتهاد بل حملوا عليه حملة شديدة فنقول : إنّه يمكن الاستناد في بطلانه إلى وجوه شتّى : الأوّل : ما يدلّ من آيات الكتاب العزيز على أنّه لا واقعة إلّا ولها حكم وبيان في القرآن الكريم نظير قوله تعالى : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي » « 3 » وقوله تعالى : « وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ » « 4 » ( والمراد من « كلّ شيء » كلّ ما له دخل في هداية نفوس الإنسان وتربيتها ) . الثاني : الأخذ بحديث الثقلين فإنّ أحدهما هو عترة الرسول عليهم السلام ، ومع وجودهم لا يحسّ فقدان نصّ ، لأنّ ما كان يصدر منهم كان من جانب الرسول صلى الله عليه وآله لا من عند أنفسهم فكان البيان الشرعي لا يزال مستمرّاً باستمرار الأئمّة ، وفقهاء العامّة حيث إنّهم كانوا يعتقدون بأنّ البيان الشرعي متمثّل في الكتاب والسنّة النبويّة المأثورة عن الرسول فقط ، وهما لا يفيان إلّا بشيء قليل من حاجات الاستنباط - بل حكي عن أبي حنيفة ( الذي كان على رأس مذهب الاجتهاد بالمعنى الخاصّ أو من روّاده الأوّلين ) أنّه لم يكن عنده من الأخبار الصحيحة المنقولة عن النبي صلى الله عليه وآله إلّا خمسة وعشرون حديثاً - التجئوا لرفع هذه الحاجات إلى هذا النوع من الاجتهاد لإحساسهم خلأً قانونياً في الشريعة ونقصاناً في الأحكام الفرعية لا بدّ في رفعه إلى التمسّك بذيل القياس ونحوه . الثالث : روايات متواترة تدلّ على أنّه ما من شيء تحتاج إليه الامّة إلى يوم القيامة إلّا

--> ( 1 ) أصول الكافي : ج 1 ، ص 13 ح 12 . ( 2 ) المعالم الجديدة للمحقّق الشهيد محمّد باقر الصدر قدّس اللَّه نفسه الزكية وشكر اللَّه مساعيه الجميلة : ص 41 . ( 3 ) سورة المائدة : الآية 3 . ( 4 ) سورة النحل : الآية 89 .