الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

54

انوار الأصول

فالمهمّ حينئذٍ التعرّض لأدلّة الأخباريين والبحث حولها . أدلّة الأخباريين على وجوب الاحتياط : وقد استدلّ لهم بالأدلّة الثلاثة : الآيات والروايات والعقل . الأوّل : الآيات أمّا الآيات : فهي على طوائف : الطائفة الأولى : ما أمر فيها بالتقوى وهي كثيرة ( تسعة وستّون آية منها وردت بصيغة « اتّقوا » ، وخمس آيات بصيغة « اتّقون » وأربع آيات بصيغة « اتّقوه » ) . والأصرح منها قوله تعالى : « فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ » وتقريب الاستدلال بهذه الطائفة أنّ الاحتياط في الشبهات مصداق من مصاديق التقوى والتقوى ، واجب بظاهر هذه الآيات لأنّ الأمر ظاهر في الوجوب . وقبل الجواب عن هذه الطائفة ينبغي بيان معنى التقوى في اللغة فنقول : إنّها اسم مصدر من مادّة الوقاية على وزن فَعْلى ، أصلها وَقْى فأُبدلت الواو بالتاء والتاء بالواو « 1 » ، وهي كما في قاموس اللغة بمعنى الاجتناب والحذر عن كلّ ما يحذر منه ، وهذا لا بأس به إذا كان مفعولها غير الباري تعالى ، كقوله تعالى : « فاتّقوا يوماً » أو « فاتّقوا النار التي . . . » أو « اتّقوا فتنة لا تصيبنّ . . . » وأمّا إذا كان المفعول وجود الباري كقوله تعالى : « فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ » ، فلا بدّ من تقدير فيها كما ذكره المفسّرون لعدم كونه تعالى ممّن يحذر منه كما لا يخفى ، وهذا بنفسه قرينة على تقدير شيء نحو عصيان اللَّه ( فاتّقوا عصيان اللَّه ) أو عذاب اللَّه أو حساب اللَّه ، كما ورد في قوله تعالى : « وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ . . . » . هذا كلّه في معنى الكلمة . ثمّ نقول : يرد على الاستدلال بالطائفة المزبورة على الاحتياط أنّه يمكن النقاش في

--> ( 1 ) راجع شرح الشافية : ج 3 ، ص 80 .