الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
536
انوار الأصول
الأمر الثاني : الاجتهاد بالمعني العام والاجتهاد بالمعنى الخاصّ الاجتهاد بالمعنى العام ، والاجتهاد بالمعنى الخاصّ ( وقد مرّ البحث عنهما في مواضع مختلفة من الأصول ، وهاهنا هو المحلّ الأصلي للكلام عنه فلا بأس بإعادته مع بسط وتوضيح ) . أمّا الاجتهاد بالمعنى العام فهو ما مرّ تعريفه في الأمر الأوّل ويكون مقبولًا عند الشيعة والسنّة ، وسيأتي أنّ الأخباري أيضاً يقبله في مقام العمل وإن كان ينكره باللسان . وأمّا الاجتهاد بالمعنى الخاصّ فهو مختصّ بأهل السنّة ، والمراد منه نوع تشريع وجعل قانون من ناحية الفقيه فيما لا نصّ فيه على أساس القياس بالأحكام المنصوصة أو الاستحسان أو الاستصلاح ( المصالح المرسلة ) أو غير ذلك من مبانيهم « 1 » .
--> ( 1 ) ولا بأس بالإشارة إلى بعض ما ذكروه في تعريف هذه المباني وتوضيحها : أمّا القياس فقال بعضهم : « القياس هو إلحاق أمر بآخر في الحكم الشرعي لاتّحاد بينهما في العلّة . . وكلّ مجتهد يقيس بنظره الخاصّ في كلّ حادثة لا نصّ عليها في الكتاب أو السنّة ولا إجماع عليها » ( المدخل الفقهي العام : لمصطفى أحمد الزرقاء ، ج 1 ص 73 ) . وقال في موضع آخر : « ولا يخفى أنّ نصوص الكتاب والسنّة محدودة متناهيّة ، والحوادث الواقعة والمتوقّعة غير متناهيّة فلا سبيل إلى إعطاء الحوادث والمعاملات الجديدة منازلها وأحكامها في الشريعة إلّا طريق الاجتهاد بالرأي الذي رأسه القياس » ( ج 1 ، ص 74 ) . وقال في موضع أخر ( بعد نقل دليل عن الشهرستاني يقرب ممّا ذكره في وجوب الاجتهاد والقياس ) : « وليس مراده قياس الأولويّة القطعيّة بل الظنّية ، ولذا ذكر في أمثلتها قياس الفقهاء قياس حال المتولّي للوقف على ولي اليتيم وأخذ أحكام الوقف من الوصية ، وقياس أحكام الإجارة بالبيع وقياس تغييره صورة العين المغصوبة ، مثل ما لو جعل الحنطة دقيقاً على التلف ، فقالوا بضمان المثل أو القيمة » ( ج 1 ، ص 79 ) . ثمّ قال : إنّ هناك جماعة من فقهاء بعض المذاهب لم يقبلوا طريقة القياس ، فسمّوا الظاهريّة ، ولم يكن لمذهبهم هذا حياة ووزن لمخالفته ضرورات الحياة التشريعية ، بل القياس هو سرّ سعة الفقه الإسلامي الشاملة لما كان وما يكون من الحوادث » ( ج 1 ، ص 81 ) ( أقول : وسيأتي في محلّه إن شاء اللَّه نقل هذا الكلام وبيان ضعفه من شتّى الجهات ) . وأمّا الاستحسان فقد ذكر في تعريفه أنّه « العدول بالمسألة عن حكم نظائرها إلى حكم آخر بوجه أقوى يقتضي هذا العدول » ولعلّ أحسن التعاريف المأثور للاستحسان وأشمله لأنواعه ما حكاه في الكتاب المزبور عن أبي الحسن الكوفي من أئمّة مذهب الحنفي ، وتلخّصه : « أنّ الاستحسان هو قطع المسألة عن نظائرها ، فهو عكس القياس الذي هو إلحاق المسألة بنظائرها في الحكم ( ومثّل له بعدم ضمان الأمين في الوديعة الذي يقاس عليه كلّ أمانة كمال الشركة والإجارة ) ولكنّهم فرّقوا في الاستحسان بين الأجير الخاصّ كالخادم والأجير العام كالصبّاغ ونحوه فقالوا أنّه ضامن كي لا يتقبّل من أعمال الناس أكثر من طاقته طمعاً في زيادة الربح » ( ج 1 ، ص 83 - 89 ) . هذا - ولكن الشافعي في كتاب الامّ عقد بحثاً سمّاه بكتاب إبطال الاستحسان ، ويقول فيما يؤثر عنه : ليس للمجتهد أن يشرع ، ومن استحسن فقد شرع ( ج 1 ص 125 ) . وأمّا المصالح المرسلة فقال في نفس الكتاب أيضاً : والمصالح المرسلة هي كلّ مصلحة لم يرد في الشرع نصّ على اعتبارها بعينها أو بنوعها . . . فإذا كانت المصلحة قد جاء بها نصّ خاصّ بعينها ككتابة القرآن صيانة له من الضياع وكتعليم القراءة والكتابة ، أو كانت ممّا جاء نصّ عامّ في نوعها يشهد له الاعتبار كوجوب تعليم العلم ونشره . . . فعندئذ تكون من الصالح المنصوص عليها عيناً أو نوعاً لا من المصالح المرسلة ، ويعتبر حكمها ثابتاً بذلك النصّ لا بقاعدة الاستصلاح ( فالمصالح المرسلة تكون مقابلة للمنصوصة ) ( ج 1 ، ص 98 ) . وأمّا سدّ الذرائع فقال : « أنّه من فروع الاستصلاح يمنع شرعاً كلّ طريق أو وسيلة قد تؤدّي عن قصد أو غير قصد إلى المحاذير الشرعيّة ، ويسمّى هذا الأصل في اصطلاح الفقهاء والأصوليين مبدأ سدّ الذرائع » ( ج 1 ، ص 107 ) وقال في موضع آخر ما حاصله : أنّه عبارة عن منع كلّ ما يمكن أن يكون حيلة لإبطال حكم الشرع ويتسبّب إليه ، ثمّ مثّل له من الشرع بأمثلة كثيرة مثل منع بناء المساجد على القبور والنهي عن الخلوة بالأجنبية ، ثمّ ذكر أحكاماً اجتهادية على هذا المبنى مثل أن يكون من حقّ الزوجة المطلّقة طلاق الفرار من الإرث ، وذكر من مصاديق هذا النوع من الاستصلاح مسألة تغيير الأحكام بتغيّر الزمان وحكى له أمثلة كثيرة : منها أنّ الفقهاء المتقدّمين كانوا يجيزون إيجاد عقارات الواقف مهما كانت مدّة الإيجار طويلة أو قصيرة ، ولكن المتأخّرين لمّا رأوا كثرة غصب المتنفّذين لأملاك الأوقاف وتواطؤ بعض المسؤولين على الأوقاف معهم أفتوا بمنع إيجار عقار الوقف أكثر من سنة واحدة في الدور والحوانيت المبنية ، وثلاث سنين في الأراضي الزراعية خشية أن يدّعي المستأجر في النهاية ملكية العقار ( ج 1 ، ص 110 ) .