الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
522
انوار الأصول
وأمّا القسم الخامس : فهو نظير ما إذا دلّت رواية على حرمة المواقعة قبل الغسل وبعد انقطاع الدم ، ودلّت رواية أخرى على جوازها ، فهل تقدّم الأولى على الثانية لكونها موافقة مع استصحاب الحرمة ، أو لا ؟ فيه ثلاثة أقوال : 1 - تقديم الموافق للأصل ، وهذا ما نسب إلى المشهور ، ويشهد عليه أنّهم في الفقه يعتبرون الموافقة مع الأصل من المرجّحات للأحكام . 2 - تقديم المخالف للأصل ، وهذا أيضاً منسوب إلى المشهور ، ويشهد عليه ما كان يعنون سابقاً في الأصول من أنّه إذا دار الأمر بين الناقل والمقرّر كان الترجيح للناقل ( المخالف للأصل ) عند المشهور ، بل قد يدّعي عليه الإجماع . ويمكن دفع هذا التهافت ( في النسبة إلى المشهور ) بأنّ البحث عن الناقل والمقرّر مختصّ بالأصول العقليّة ، ويبحث عنه عقيب البحث عن الحظر والإباحة الذي هو من شقوق مبحث البراءة العقليّة ، بينما النسبة الأولى إلى المشهور مرتبطة بالبراءة الشرعيّة . 3 - ما ذهب إليه جمع من الأعاظم منهم الشيخ الأعظم والمحقّق الخراساني والمحقّق النائيني رحمه الله ، وهو عدم مرجّحية الأصل مطلقاً لا المخالف ولا الموافق . واستدلّ للقول الأوّل بوجهين : أحدهما : أنّ مطابق الأصل مظنون ، وكلّ ظنّ مرجّح ، وأجيب عنه : أوّلًا : بأنّ الأصل العملي لا يوجب ظنّاً بالحكم ، حيث إنّه وظيفة عملية للشاكّ فحسب . وثانياً : سلّمنا ، ولكنّه مبنيّ على التعدّي من المرجّحات المنصوصة ، والمختار عدمه كما مرّ ، فكلّ من الصغرى والكبرى لهذا الوجه ممنوعة . ثانيهما : أنّ الأخذ بموافق الأصل يوجب تخصيص دليل واحد ، وهو أدلّة حجّية خبر الواحد بالنسبة إلى الدليل المخالف ، ولكن الأخذ بمخالف الأصل يوجب تخصيص دليلين : وهما أدلّة حجّية خبر الواحد وأدلّة حجّية الأصل ، ولا إشكال في أولوية الأوّل . والجواب عنه واضح ، وهو أنّ الأصول ليست في رتبة الأمارات حتّى يوجب الأخذ بالخبر المخالف ( وهو أمارة من الأمارات ) تخصيص أدلّة حجّية الأصل ، أعني أنّه مع الأخذ بالخبر المخالف لا تصل النوبة إلى الأصول حتّى يلزم تخصيص أدلّتها ، بل إنّها خارجة حينئذٍ تخصّصاً أو من باب الورود أو الحكومة .