الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
512
انوار الأصول
أحدهما : هل التخصيص يتعلّق بالإرادة الجدّية ، أو الإرادة الاستعماليّة ؟ وتوضيحه : أنّ للفظ إرادتين : إرادة استعماليّة وهي ما يستعمل فيه اللفظ ، وإرادة جدّية وهي ما يكون المقصود من الاستعمال ، والسؤال هنا هو أنّ متعلّق التخصيص هل هو الإرادة الجدّية ، أو الإرادة الاستعماليّة ؟ المعروف والمشهور أنّه يتعلّق بالإرادة الجدّية ، ولذلك لا يلزم منه مجاز ، لأنّ باب المجاز والحقيقة باب اللفظ وما استعمل فيه اللفظ لا المعنى والمراد ، وقد مرّ البحث عنه تفصيلًا في مباحث العام والخاصّ تحت عنوان « التخصيص بالمنفصل إنّما هو في الإرادة الجدّية لا الإرادة الاستعماليّة » وهو المختار هناك . ثانيهما : هل المعيار في تعارض الدليلين هو الإرادة الاستعماليّة أو الإرادة الجدّية ؟ لا إشكال في أنّ الميزان في التعارض إنّما هو الإرادة الاستعماليّة ، لأنّ الدليلين يتعارضان ويتضادّان في ظهورهما الاستعمالي واللفظي كما هو واضح . ثمّ بعد ملاحظة هاتين النكتتين يظهر لنا أنّه لا وجه لانقلاب النسبة ، لأنّ تخصيص العام بالخاصّ الأوّل إنّما هو في الإرادة الجدّية ولا ربط له بالإرادة الاستعماليّة ، وحينئذٍ يبقى الظهور الاستعمالي للعام على حاله الذي كان هو المعيار في التعارض ، ولا بدّ بعد التخصيص بالخاصّ الأوّل من ملاحظة النسبة بين الخاصّ الثاني وهذا الظهور الاستعمالي للعام الباقي على قوّته . والذي يؤيّد ذلك هو سيرة الفقهاء العمليّة في الفقه ، فإنّهم لا يلاحظون تاريخ الخصوصيّات ولا يقدّمون التخصيص بأحد الخاصّين على التخصيص بالخاصّ الآخر بل يخصّصون العام بكليهما في عرض واحد . نعم ، قد يستثنى منه ما إذا كانت المخصّصات بمقدار من الكثرة يوجب الاستهجان عرفاً ، فيكون النسبة بين الخصوصات والعام من قبيل المتباينين ، فربّما يكون طريق الجمع فيه إسقاط العام عن ظهوره في الوجوب أو الحرمة وحمله على الاستحباب أو الكراهة . ثمّ إنّ جماعة من الأعلام أشاروا إلى أمرين آخرين : أحدهما : هو البحث عن مسألة الضمان في عارية الذهب والفضّة التي هي من موارد تعارض أكثر من دليلين ومن مصاديقه وتطبيقاته ، ولكننا نتركه إلى محلّه في الفقه لأنّه بحث فقهي خاصّ لا يليق إلّا بالفقه كما لا يخفى على الخبير .