الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

509

انوار الأصول

وأمّا القسم الثالث فلأنّ الورع عبارة عن الكفّ عن محارم اللَّه ، ومنها الكذب والافتراء ، والإنسان الأورع يكون احتياطه ومحافظته على التكلّم أكثر من غيره غالباً ، فيكون أصدق من غيره كذلك ، وهكذا الأفقهيّة فإنّ الأفقه يكون أخذه من الإمام عليه السلام أتقن وأحسن من غيره ، هذا مضافاً إلى أنّ كلًا من الأورعيّة والأفقهيّة في المقبولة هي من مرجّحات الحاكم ( كالأعدليّة والأصدقيّة ) لا من مرجّحات الراوي . وعلى ما ذكرنا إنّما يمكن التعدّي من المزايا المنصوصة ( لو قلنا به ) إلى كلّ مزيّة توجب قوّة ذيها من حيث دليليته وطريقيّته إلى الواقع . الأمر الثالث : شمول التخيير أو الترجيح لموارد الجمع العرفي وعدمه وبعبارة أخرى : هل يجوز إعمال المرجّحات في موارد العام والخاصّ ، والمطلق والمقيّد أيضاً ، أو لا ؟ المشهور والمعروف أنّه يختصّ بغير موارد الجمع العرفي ، بل قال الشيخ الأعظم رحمه الله : « وما ذكرناه كأنّه ممّا لا خلاف فيه كما استظهره بعض مشايخنا المعاصرين ، ويشهد له ما يظهر من مذاهبهم في الأصول وطريقتهم في الفروع » . ولكن من العجب أنّه نسب إلى الشيخ الطوسي رحمه الله في بعض كلماته في الاستبصار والعدّة ، وإلى المحقّق القمّي في مباحث العام والخاصّ من القوانين أنّ أعمال المرجّحات يقدّم على الجمع العرفي . والصحيح ما ذهب إليه المشهور ( بل يلزم من العمل بما نسب إلى شيخ الطائفة رحمه الله فقه جديد كما سيأتي ) وعمدة الدليل عليه أمران : الأوّل : أنّه لا تعدّ موارد الجمع العرفي من قبيل المتعارضين ، فلا يصدق عنوان التعارض والاختلاف عليها عند العرف ، فلا يجري عليها أحكام التعارض . الثاني : أنّ إعمال المرجّحات في موارد العام والخاصّ والمطلق والمقيّد يلزم منه ما لا يلتزم به فقيه ، لمخالفته لضرورة الفقه ، فإنّ من الضروري تخصيص العمومات الكثيرة وتقييد الإطلاقات العديدة في الكتاب والسنّة بالأخبار الخاصّة ، مثلًا قوله تعالى : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » تخصّص بجميع أدلّة شرائط صحّة البيع والخيارات وشرائط المتبايعين والعوضين ، وهكذا