الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

506

انوار الأصول

منصوص العلّة ، نعم وروده بصورة التعليل إنّما هو في مرسلة الكليني « 1 » في ديباجة الكافي ، والاعتماد عليها مشكل ، لا سيّما بعد احتمال كونها مأخوذة عن المقبولة مع النقل بالمعنى . هذا مضافاً إلى أنّ المراد من كون الرشد في خلافهم هو الاحتمال الغالب في الخبر الموافق من حيث التقيّة ، ولكن حيث لا يعلم مقدار الغلبة هنا لا يمكن التعدّي إلى غيره ممّا لم يحرز فيه المقدار المذكور . وذكر المحقّق الخراساني رحمه الله احتمالًا آخر في معنى هذا التعليل لا يمكن المساعدة عليه ، وهو أن يكون الرشد في نفس المخالفة لهم لحسنها ورجحانها موضوعياً . ووجه عدم المساعدة أنّ هذا الاحتمال بعيد عن ظاهر الحديث غاية البعد ، فإنّ معناه أن يكون لمجرّد المخالفة معهم موضوعيّة مع أنّ الرشد في اللغة ما يقابل الغيّ كما في الصحاح ، فهو بمعنى الوصول إلى المقصد والاهتداء في الطريق كما يشهد عليه قولهم للمسافر « راشداً مهدياً » بل قوله تعالى : « وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً » « 2 » في قصّة أصحاب الكهف . وأجاب المحقّق النائيني رحمه الله عن الاستدلال بهذا الحديث لجواز التعدّي بأنّ « التعليل لا ينطبق على ضابط منصوص العلّة » ولا يصلح أن يكون كبرى كلّية ، لأنّ ضابط منصوص العلّة هو أن تكون العلّة على وجه يصحّ ورودها وإلقائها إلى المكلّفين ابتداءً بلا ضمّ المورد إليها كما في قوله : « الخمر حرام لأنّه مسكر » فإنّه يصحّ أن يقال « كلّ مسكر حرام » بلا ذكر الخمر ، وهذا بخلاف قوله عليه السلام « فإنّ الرشد في خلافهم » فإنّه لا يصحّ أن يقال : « خذ بكلّ ما خالف العامّة » لأنّ كثيراً من الأحكام الحقّة توافق قول العامّة » « 3 » . ولكن يرد عليه أيضاً أنّ الكبرى الكلّية المأخوذة من هذا الحديث ليس « خذ بكلّ ما خالف العامّة » حتّى يناقش فيه بما ذكر ، بل المستفاد منه : « كلّ خبرين أحدهما موافق للعامّة والآخر مخالف لهم فخذ بالخبر المخالف » وهذه كبرى كلّية يمكن الالتزام بها بلا ريب . وأجاب المحقّق الحائري رحمه الله عن الاستدلال بهذا الدليل بما حاصله : أنّ هذا التعليل لا

--> ( 1 ) وسائل الشيعة : الباب 9 ، من أبواب صفات القاضي ، ح 19 . ( 2 ) سورة الكهف : الآية 10 . ( 3 ) فوائد الأصول : ج 4 ، ص 777 ، طبعة جماعة المدرّسين .