الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
502
انوار الأصول
إلى هنا تمّ الكلام عن الدليل الأوّل على مقالة المشهور ( وجوب اعمال المرجّحات ) وهو في الواقع يرجع إلى ظهور الأمر بالترجيح الوارد في أخبار الترجيح في الوجوب . الثاني : دعوى الإجماع على لزوم الأخذ بالخبر الراجح وأجاب عنه المحقّق الخراساني رحمه الله بأنّ « دعوى الإجماع مع مصير مثل الكليني رحمه الله إلى التخيير وهو في عهد الغيبة الصغرى ويخالط النوّاب والسفراء - قال في ديباجة الكافي ولا نجد شيئاً أوسع ولا أحوط من التخيير - مجازفة » . ولكن الإنصاف أنّ كلام الكليني رحمه الله في الديباجة يوافق الإجماع فإنّه قال فيها ما لفظه ( على حكاية صاحب الوسائل ) : اعلم يا أخي أنّه لا يسع أحد تمييز شيء ممّا اختلفت الرواية فيه عن العلماء برأيه إلّا ما أطلقه العالم عليه السلام بقوله : « اعرضوهما على كتاب اللَّه عزّ وجلّ فما وافق كتاب اللَّه عزّ وجلّ فخذوه ، وما خالف كتاب اللَّه فردّوه » وقوله عليه السلام : « دعوا ما وافق القوم فإنّ الرشد في خلافهم » وقوله عليه السلام : « خذوا بالمجمع عليه فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه » ونحن لا نعرف من ذلك إلّا أقلّه ، ولا نجد شيئاً أحوط ولا أوسع من ردّ علم ذلك كلّه إلى العالم عليه السلام وقبول ما وسع من الأمر فيه بقوله عليه السلام : بأيّهما أخذتم من باب التسليم وسعكم » « 1 » . ومن المعلوم أنّه ليس مراده من قوله « ونحن لا نعرف من ذلك إلّا أقلّه » عدم وجوب العمل بما ذكر من أخبار الترجيح ولزوم ردّها إلى أهلها حتّى في تلك الموارد القليلة على نحو السالبة الكلّية ، بل الظاهر أنّ مراده عدم معرفة مصاديق هذه المرجّحات لا عدم وجوب العمل بها عند معرفة مصاديقها ، هذا أوّلًا . وثانياً : أنّ كلام الكليني هذا صدر منه في الواقع لشبهة حصلت له فإنّا لا نقبل قلّة موارد الترجيح بالمرجّحين المذكورين في كلامه . فالصحيح في المناقشة أنّ مثل هذا الإجماع مدركيّ لا اعتبار به .
--> ( 1 ) وسائل الشيعة : الباب 9 ، من أبواب صفات القاضي ، ح 19 .