الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
484
انوار الأصول
الأمر الرابع : هل التخيير بدوي أو استمراري ؟ والمراد من التخيير البدوي أنّه لو اختار مثلًا وجوب صلاة الجمعة ( عند تعارض الأخبار ) لا بدّ من العمل بها ما دام عمره ، ومعنى التخيير الاستمراري أنّ له في المثال المذكور اختيار الجمعة في كلّ جمعة أراد ، واختيار صلاة الظهر كذلك طول عمره . والأقوال في المسألة ثلاثة : 1 - ما حكي عن جماعة من المحقّقين من أنّ التخيير استمراري . 2 - ما يظهر من بعض كلمات شيخنا الأعظم رحمه الله من أنّه بدوي . 3 - بناء المسألة على المسألة السابقة ، فإن قلنا بأنّ التخيير في المسألة الاصوليّة يكون التخيير هنا بدوياً ، وإن قلنا بأنّ التخيير في المسألة الفقهيّة يكون التخيير هنا استمرارياً ، وهذا ما ذهب إليه المحقّق النائيني رحمه الله في فوائد الأصول . واستدلّ للقول الأوّل بوجهين : أحدهما : إطلاقات أخبار التخيير ، فإنّ التعبير ب « فموسّع عليك » أو « إذن فتخيّر » ظاهر في السعة الاستمراري والتخيير الدائمي . ثانيهما : استصحاب التخيير الثابت في بدو الأمر على فرض الشكّ . واستدلّ للقول الثاني أيضاً بوجهين ( وهما في الواقع جواب عن ما استدلّ به للقول الأوّل ) : أحدهما : أنّ الموضوع في أخبار التخيير هو التحيّر ، وهو يرتفع بعد اختيار أحد الخبرين فلا يكون بعده مشمولًا لها ، كما أنّه لا يجوز حينئذٍ استصحاب التخيير لتبدّل الموضوع . ثانيهما : لزوم المخالفة القطعيّة التدريجية العمليّة من استمرار التخيير فإنّ المفروض كون التخيير ظاهرياً فيكون أحدهما مخالفاً للواقع قطعاً . أقول : يمكن المناقشة في الوجه الأوّل بأنّ الموضوع في أخبار التخيير ليس هو عنوان المتحيّر بل الموضوع وجود خبرين متعارضين ، ولا إشكال في أنّ التعارض دائمي . وأمّا الوجه الثاني فهو تامّ في محلّه ، وقد ذكرنا في محلّه أنّ المخالفة القطعيّة العمليّة للعلم الإجمالي حرام سواء كانت دفعيّة أو تدريجيّة ، ولازم هذا الوجه كون التخيير بدوياً كما تشهد به مرفوعة زرارة لأنّها تأمر بالأخذ بأحد الخبرين وطرد الآخر حيث تقول « فتخيّر أحدهما فتأخذ به وتدع الآخر » ولا إشكال في أنّ ظاهر طرد الآخر طرده مطلقاً ، كما أنّ ظاهر الأخذ بأحدهما أخذه دائماً .