الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

482

انوار الأصول

الأمر الثالث : في أنّ التخيير في المقام هل يكون في المسألة الاصوليّة ، أو في المسألة الفقهيّة ؟ وبعبارة أخرى : هل التخيير يكون للمجتهد فقط في اختيار الأدلّة ، أو له وللمقلّد في العمل ؟ قال شيخنا الأعظم الأنصاري رحمه الله : « المحكي عن جماعة بل قيل أنّه ممّا لا خلاف فيه أنّ التعادل إن وقع للمجتهد في عمل نفسه كان مخيّراً في عمل نفسه ، وإن وقع للمفتي لأجل الإفتاء فحكمه أن يخيّر المستفتي فيتخيّر في العمل كالمفتي . . . ( إلى أن قال ) : ويحتمل أن يكون التخيير للمفتي فيفتي بما اختار . . . ( إلى أن قال ) والمسألة بعد محتاجة إلى التأمّل وإن كان وجه المشهور أقوى » انتهى . واستدلّ لقول المشهور أي القول الأوّل بوجهين : الأوّل : أنّ خطابات الأمارات عامّة تشمل المجتهد والمقلّد ، إلّا أنّ المقلّد عاجز عن القيام بشروط العمل بالأدلّة من حيث تشخيص مقتضاها ودفع موانعها ، فإذا ثبت للمجتهد جواز العمل بكلّ من الخبرين المتكافئين المشترك بين المقلّد والمجتهد تخيّر المقلّد كالمجتهد . الثاني : إنّ إيجاب مضمون أحد الخبرين على المقلّد تعييناً لا دليل عليه ، فهو تشريع محرّم . واستدلّ للقول الثاني أوّلًا : بما ورد في مرفوعة زرارة قلت : « إنّهما معاً موافقان للاحتياط ومخالفان فكيف أصنع ؟ فقال عليه السلام : إذن فتخيّر أحدهما فتأخذ به وتدع الآخر » حيث إنّه وارد بعد اعمال المرجّحات ولا إشكال في أنّه من عمل المجتهد لا المقلّد مضافاً إلى أنّ قوله : « فتخيّر أحدهما فتأخذ به وتدع الآخر » كالصريح في اختيار أحد الحجّتين ورفض الآخر ، وليس ذلك إلّا للمجتهد . وبعبارة أخرى : لم يخيّره الإمام بين مضمون الخبرين بل أمره بالأخذ بأحد الدليلين تخييراً . وثانياً : بأنّ التخيير حكم للمتحيّر والمتحيّر ، إنّما هو المجتهد لا المقلّد . أقول : الأولى في المقام ملاحظة روايات التخيير ، ولا إشكال في أنّها ظاهرة فيما ذهب إليه المشهور فإنّ من جملتها ما رواه سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام « قال : سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه ، أحدهما يأمر بأخذه والآخر ينهاه عنه كيف