الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
477
انوار الأصول
فبأيّهما آخذ ؟ فقال : يا زرارة . . . فقلت أنّهما معاً موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف أصنع ؟ فقال عليه السلام : إذن فتخيّر أحدهما وتأخذ به وتدع الآخر » « 1 » . وهذه الرواية صريحة الدلالة على المقصود . فقد ظهر إلى هنا أنّ التامّ دلالة من هذه الثمانية إنّما هو الأوّل والثاني ، والثامن فيبلغ ما دلّ على التخيير إلى حدّ التظافر وإن لم يبلغ إلى حدّ التواتر كما ادّعاه الشيخ الأعظم ، مضافاً إلى تأييدها بمرسلة الكليني وغيرها خصوصاً بعد ملاحظة ما صرّح به في ديباجة الكافي حيث قال : « . . . ولا نجد شيئاً أحوط ولا أوسع من ردّ علم ذلك كلّه إلى العالم عليه السلام وقبول ما وسّع من الأمر فيه بقوله عليه السلام بأيّما أخذتم من باب التسليم وسعكم » « 2 » . ومضافاً إلى ما إدّعاه شيخنا الأعظم رحمه الله في رسائله من « أنّ عليه المشهور وجمهور المجتهدين حيث قال : فهل يحكم بالتخيير أو العمل بما طابق منهما الاحتياط أو بالاحتياط وجوه ، المشهور وهو الذي عليه جمهور المجتهدين الأوّل للأخبار المستفيضة بل المتواتر » ( انتهى ) وكفى بذلك جبراً لسندها حتّى ولو كانت رواية واحدة . بل هذا هو ما نشاهده عملًا في الفقه وعليه سيرة الفقهاء ، فمن العجب جدّاً ما قال به بعض الأعلام في مصباح الأصول : « إنّ التخيير بين الخبرين المتعارضين عند فقد المرجّح لأحدهما ممّا لا دليل عليه ، بل عمل الأصحاب في الفقه على خلافه فإنّا لم نجد مورداً أفتى فيه بالتخيير واحد منهم » « 3 » . هذه كلّه في الطائفة الأولى من الأخبار . أمّا الطائفة الثانية : ( وهي ما تدلّ على لزوم الأخذ بأحوط الخبرين ) فهي نفس مرفوعة زرارة المذكورة آنفاً حيث ورد فيها : « قلت : ربّما كانا معاً موافقين لهم أو مخالفين ، فكيف أصنع ؟ فقال : إذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك واترك ما خالف الاحتياط » . ولكن غاية ما يستفاد من هذه الرواية كون موافقة أحد الخبرين للاحتياط من المرجّحات لا أنّ مآل الأمر إلى الأخذ بالأحوط بل مآله هو التخيير كما وقع التصريح به في
--> ( 1 ) عوالي اللئالي : ج 4 ، ص 133 ؛ وفي المستدرك : ج 17 ، ص 303 . ( 2 ) أصول الكافي : ج 1 ، ص 9 . ( 3 ) مصباح الأصول : ج 3 ص 426 ، طبعة مطبعة النجف .