الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

439

انوار الأصول

ثمّ إنّ شيخنا الأعظم رحمه الله قد فرّق بين الأصول الشرعيّة كالاستصحاب وبين الأصول العقليّة ، فقال بورود الأصول الشرعيّة على القرعة خلافاً للُاصول العقليّة كالبراءة العقليّة فإنّ القرعة واردة عليها لأنّ موضوعها « لا بيان » والقرعة بيان . وبما ذكرنا ظهر ضعف هذا الكلام لأنّ موضوع القرعة - كما قلنا - هو المجهول المطلق ، وهو ليس حاصلًا حتّى في موارد البراءة والاحتياط العقليين ، ولذلك لا يتمسّك حتّى الشيخ رحمه الله نفسه بذيل القرعة في أطراف العلم الإجمالي ، مع أنّ وجوب الاحتياط فيها من الأصول العقليّة . وتمام الكلام في مسألة القرعة وتحقيق مثل هذه المباحث يحتاج إلى رسم أمور ( وإن كان استيفاء البحث فيها موكولًا إلى محلّ آخر ) « 1 » . الأمر الأوّل : في أدلّة حجّية القرعة وقد يدلّ عليها الأدلّة الأربعة من الكتاب والسنّة والإجماع وبناء العقلاء ( لا دليل العقل ) : أمّا الكتاب : فهو آيتان إحداهما : قوله تعالى في قصّة زكريا وولادة مريم : « وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ » « 2 » فإنّه بعد ما وقع التشاحّ بين الأحبار لتعيين من يكفل مريم حتى بلغ حدّ الخصومة ولم يجدوا طريقاً لرفعه إلّا القرعة تقارعوا بينهم ، فوقعت القرعة على زكريّا . ثانيهما : قوله تعالى : « وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ » « 3 » وقصّة يونس ( إباقه من قومه ثمّ وروده في سفينة ووقوع القرعة عليه ثلاث مرّات ) معروفة . إن قلت : إنّ الآيتين وردتا في الشرائع السابقة ، وقد مرّ أنّ الأقوى عدم حجّية استصحابها للشريعة اللاحقة . قلنا : إنّ تمسّكنا بهما في المقام ليس مبنيّاً على حجّية استصحاب الشرائع السابقة ، بل مبنى

--> ( 1 ) راجع كتابنا القواعد الفقهيّة : المجلّد الأوّل من الطبعة الثانية ، القاعدة السادسة . ( 2 ) سورة آل عمران : الآية 40 . ( 3 ) سورة الصافات : الآية 139 - 141 .