الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
437
انوار الأصول
قلنا : أوّلًا : لا تصل النوبة إلى استصحاب الاشتغال مع جريان قاعدة الاشتغال ( الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينيّة ) في جميع موارد الشكّ في براءة الذمّة ، كما قرّر في محلّه ، ولا يخفى الفرق بينهما ، فإنّ قاعدة الاشتغال ليست محدودة بموارد سبق الحالة السابقة للاشتغال . وثانياً : أنّ استصحاب عدم إتيان الركوع الزائد حاكم على استصحاب الاشتغال ، لكونه سبباً واستصحاب الاشتغال مسبّبياً ، فالشكّ في بقاء الاشتغال ينشأ من الشكّ في إتيانه بالركوع الزائد وعدمه ، فإذا ارتفع هو باستصحاب عدمه ارتفع الشكّ في بقاء الاشتغال أيضاً . فظهر ممّا ذكر أنّ الوجه في تقديم القواعد على الاستصحاب قلّة موارد الافتراق فتقدّم عليه من باب تقديم الخاصّ على العام . أقول : والصحيح في منهج البحث في المقام تعيين كون هذه القواعد من الأمارات أو الأصول أوّلًا ، حيث إنّها إذا كانت من الأمارات كان وجه تقديمها على الاستصحاب نفس وجه تقديم سائر الأمارات عليه ، وهو كون أدلّتها واردة على أدلّة الاستصحاب أو حاكمة عليها ببيان مرّ تفصيله ، ولا إشكال في أمارية هذه القواعد فتكون واردة على الاستصحاب ، ولا أقلّ من كونها حاكمة عليها كما هو مقتضى بعض أدلّتها كقوله عليه السلام في مورد قاعدة التجاوز : « بلى قد ركعت » « 1 » أي أنّك على يقين من إتيان الركوع فلا تعتن بشكّك وامض . هذا كلّه في بيان النسبة بين الاستصحاب والقواعد الخمسة غير القرعة . وأمّا القرعة فحاصل ما أفاده المحقّق الخراساني رحمه الله في وجه تقديم الاستصحاب عليها وبيان النسبة بينهما وجوه ثلاثة : الوجه الأوّل : أنّ دليل الاستصحاب أخصّ من دليل القرعة لأنّ الاستصحاب ممّا يعتبر فيه سبق الحالة السابقة دون القرعة . إن قلت : إنّ النسبة بين الاستصحاب والقرعة هي العموم من وجه لا العموم المطلق ، فكما أنّ الاستصحاب أخصّ من القرعة لاعتبار سبق الحالة السابقة فيه فكذلك القرعة تكون أخصّ من الاستصحاب لاختصاصها بالشبهات الموضوعيّة بالإجماع بل بالضرورة .
--> ( 1 ) وسائل الشيعة : الباب 13 ، من أبواب الركوع ، ح 3 .