الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
408
انوار الأصول
أن تكون النبوّة ناشئة من كمال النفس ) فلا ريب في عدم صحّته لما سيأتي في بيان وجه المختار ، وهكذا الوجه الثالث ( وهو أن يكون المراد من النبوّة أحكام شريعة من اتّصف بها واستصحابها هو استصحاب بعض أحكامها ) لما سيأتي أيضاً بل الصحيح إنّما هو المعنى الثاني ( وهو كون النبوّة من المناصب المجعولة ) كما يشهد عليه قوله تعالى : « إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً » « 1 » حيث إنّ النبوّة والإمامة فيما يهمّنا في المقام على وزان واحد ، وقوله تعالى : « اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ » « 2 » ، وقوله تعالى : « وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى » « 3 » فإنّ هذه الآيات ونظائرها صريحة أو كالصريحة في كون النبوّة منصباً من المناصب المجعولة من ناحية الشارع فإنّ التعبير بالجعل والاختيار كالصريح في هذا المعنى ، نعم هذا مقام لا يعطيه الحكيم إلّا لمن تمّت القابلية فيه . ثانياً : هاهنا وجه رابع في المراد من النبوّة وهو أن يكون المراد منها مجموع الأحكام والتعاليم الموجودة في تلك الشريعة السابقة ، وهذا هو الصحيح المختار لأنّ من المسلّم أنّ انقضاء شريعة موسى وعيسى عليهما السلام ليست بمعنى عزلهما عن ذلك المنصب الإلهي أو بمعنى تنزّلهما عن تلك المرتبة من كمال النفس ، بل إنّها بمعنى انقضاء أمد شريعتهما وخروجها عن كونها ديناً رسميّاً للعباد ، ولا يخفى أنّ هذا المعنى أيضاً لا يمكن استصحاب بقائه عند الشكّ فيه ، لما مرّ من عدم وجود الدليل على الاستصحاب من غير ناحية الشريعة الإسلاميّة ولغيّره ممّا مرّ ذكره ، ولو فرضنا وجود الدليل على الاستصحاب في نفس الشريعة السابقة فأيضاً لا يمكن التمسّك به لإثبات بقاء أحكام تلك الشريعة ، لما أفاده بعض الأعلام من « أنّ حجّية الاستصحاب من جملة تلك الأحكام فيلزم التمسّك به لإثبات بقاء نفسه وهو دور ظاهر » « 4 » . ثالثاً : لو فرضنا كون النبوّة أمراً تكوينياً فلا يمكن الإيراد على جريان الاستصحاب فيه بعدم ترتّب أثر عملي شرعي عليه لأنّ وجوب الاعتقاد القلبي به وعقد القلب عليه أثر عملي جانحي شرعي ، وإن كان الكاشف عنه هو العقل ، نظير وجوب المقدّمة .
--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 124 . ( 2 ) سورة الأنعام : الآية 124 . ( 3 ) سورة طه : الآية 13 . ( 4 ) مصباح الأصول : ج 3 ، ص 214 ، طبع مطبعة النجف .