الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

39

انوار الأصول

قلت : بلى ولكنّي أُحبّ أن أسمعه منك فقال : سأخبرك عن الجبن وغيره ، كلّ ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه فتدعه » « 1 » . والبحث في هذه الروايات تارةً يقع في السند وأخرى في الدلالة : أمّا السند فلا إشكال في اعتبار رواية عبد الله بن سنان كما أشرنا إليه آنفاً ، وأمّا رواية عبد الله بن سليمان فالمراد من عبد الله بن سليمان هو عبد الله بن سليمان النخعي بقرينة نقله عن عبد الله بن سنان ، وهو مجهول في كتب الرجال ، وأمّا رواية مسعدة بن صدقة فهي أيضاً ضعيفة من ناحية السند لأنّ مسعدة مجهول ، فإن وجدت فيها خصوصية لم توجد في الأوليين لا تكون حجّة ، والعجب من المحقّق الخراساني رحمه الله حيث استند إلى هذه الرواية لما فيها من بعض الخصوصيات من دون اعتنائه بسندها كما هو دأبه في كتابه الكفاية . فالمعتبر من هذه الروايات الثلاثة إنّما هو الرواية الأولى ، وهي رواية عبد الله بن سنان . أمّا الدلالة : فلا إشكال في أنّ رواية عبد الله بن سنان ظاهرة في خصوص الشبهات الموضوعيّة لمكان فقرة « فيه حلال وحرام » حيث إنّها تتصوّر في الموضوعات كالمائع الذي بعض افراده خمر وبعضها الآخر غير خمر فاشتبه الخمر فيه بغير الخمر ، لا في الأحكام ، فلا معنى لأن يقال مثلًا : « في شرب التتن حلال وحرام » بل لا بدّ فيها حينئذٍ من تقدير كلمة الاحتمال ، أي فيه احتمال الحرمة واحتمال الحلّية ، وهو تكلّف وخلاف للظاهر . وبعبارة أخرى : المقصود من كلمة « الشيء » في قوله عليه السلام : « كلّ شيء فيه حلال وحرام » هو الشيء الخارجي والموضوع الخارجي المشكوك ، أي متعلّق الشيء إنّما هو الموضوع الخارجي لا الحكم ، بينما متعلّق الشكّ في مثل شرب التتن إنّما هو حكم الشرب لا نفس الشرب الخارجي . وأمّا رواية مسعدة فالتعبير الوارد فيها « كلّ شيء هو لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام بعينه » فليس فيها التعبير ب « فيه حلال وحرام » حتّى تكون من هذه الجهة ظاهرة في الشبهات الموضوعيّة ، نعم كلمة « بعينه » الواردة في ذيلها ظاهرة في الشبهة الموضوعيّة لأنّها بمعنى التشخّص والتعيّن الخارجي ، لكن يمكن التوجيه بأنّها تأكيد لقوله عليه السلام : « تعرف » أي حتّى تعلم

--> ( 1 ) وسائل الشيعة : ج 17 ، أبواب الأطعمة المباحة ، الباب 6 ، ح 1 .