الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

383

انوار الأصول

البيان الرابع : ما أفاده بعض الأعاظم في رسائله حيث قال : « أمّا وجه حجّية مثبتات الأمارات فهو أنّ جميع الأمارات الشرعيّة إنّما هي أمارات عقلائيّة أمضاها الشارع ، وليس فيها ما تكون حجّيتها بتأسيس من الشرع كظواهر الألفاظ وقول اللغوي على القول بحجّيته وخبر الثقة . . . ومعلوم أنّ بناء العقلاء على العمل بها إنّما هو لأجل إثباتها الواقع لا للتعبّد بالعمل بها ، فإذا ثبت الواقع بها تثبت لوازمه وملزوماته وملازماته بعين الملاك الذي لنفسه فكما أنّ العلم بالشيء موجب للعلم بلوازمه وملزوماته وملازماته مطلقاً فكذلك الوثوق به موجب للوثوق بها . . . ولو حاولنا إثبات حجّية الأمارات بالأدلّة النقليّة لما أمكن لنا إثبات حجّية مثبتاتها ، بل ولا لوازمها الشرعيّة إذا كانت مع الواسطة الشرعيّة » « 1 » . وفيه : أوّلًا : أنّا نمنع الصغرى ، وهي كون جميع الأمارات إمضائيّة ، لأنّ بعض الأمارات كالقرعة لا إشكال في أنّها تأسيسيّة فيما إذا كان هناك واقع في البين ولم تكن القرعة لمجرّد حسم مادّة النزاع ، كما هو كذلك غالباً ، فإنّ المنساق من أدلّة حجّية القرعة في الشرع أنّها كاشفة عن الواقع غالباً أو دائماً إذا اجتمع فيها شرائطها ، فقد ورد في الحديث النبوي : « ليس من قوم تقارعوا ثمّ فوّضوا أمرهم إلى اللَّه إلّا خرج السهم الأصوب » وكذا ما ورد في الدعاء المأثور عند إجراء القرعة : « اللهمّ ربّ السماوات السبع أيّهم كان الحقّ له فأدّه إليه » وفي رواية أخرى : « اللهمّ أنت اللَّه لا إله إلّا أنت عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون فبيّن لنا أمر هذا المولود » وكذا ما ورد في قضيّة يونس وقضيّة عبد المطّلب وغير ذلك من القرائن التي يغني تظافرها عن ملاحظة إسنادها ، فمن جميع ذلك يعلم أنّ القرعة أمارة شرعيّة حيث لا أمارة ، ويؤيّده ما ورد في أمر الاستخارة فإنّها نوع من القرعة يطلب منها الكشف عن المصالح الواقعيّة لا مجرّد رفع الحيرة « 2 » . إن قلت : إذا كانت القرعة من الأمارات فلا بدّ من تقديمها على الأصول العمليّة مع أنّه لا يقول به أحد . قلنا : المستفاد من ظواهر أدلّة القرعة أو صريحها أنّ كاشفيتها منحصرة بما إذا أشكل الأمر وسدّت أبواب الحلّ وطرق الفتح ، وهذا لا يصدق إلّا فيما إذا لم توجد في البين أمارة ولا

--> ( 1 ) الرسائل : ج 1 ، ص 178 . ( 2 ) وإن شئت توضيح الحال في جميع ذلك فارجع إلى القواعد الفقهيّة ، القاعدة السادسة ( قاعدة القرعة ) .