الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

371

انوار الأصول

الشرائع السابقة كالتي وردت في جميع أبواب المعاملات ، أوامر توصّلية ، كما أنّه كذلك في شريعتنا ، فإنّ العبادات معدودة محدودة في مقابل غيرها . ومنها : أنّ الآية صدراً وذيلًا وردت في التوحيد مقابل الشرك ، ولا ربط لهما بمسألة قصد القربة ، والشاهد عليه ما ورد في ذيلها : « وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ » وهكذا التعبير ب « حنفاء » ( فإنّ الحنيف بمعنى المائل عن الشرك إلى التوحيد ) وكذلك الآيات الواردة في ما قبلها وما بعدها فإنّها جميعاً وردت في أهل الكتاب والمشركين فراجع ، فإنّ التأمّل في الآية نفسها وفي ما قبلها وما بعدها ممّا يوجب القطع بأنّها في مقام نفي الشرك وإثبات التوحيد من دون نظر لها إلى مسألة قصد القربة في الأوامر . والعمدة في الإشكال على الاستدلال بالآية هو الإشكال الأخير . 3 - ما يستفاد من قصّة يوسف عليه السلام من قوله تعالى : « قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ » « 1 » حيث إنّ التعبير ب « حمل » يدلّ على عدم اعتبار معلوميّة المقدار في الجعالة ( لأنّ مقدار حمل بعير أمر مجهول ) وبالاستصحاب نثبته في شريعتنا ، هذا أوّلًا . وثانياً : أنّ قوله تعالى : « وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ » يدل على جواز ضمان ما لم يجب ( ما لم يكن فعليّاً ) حيث إنّه يثبت الضمان في الجعالة قبل أن يتحقّق في الخارج عمل ، ومقتضى استصحاب بقائه جواز ضمان ما لم يجب في شريعتنا أيضاً . وأجيب عنه : أوّلًا : بأنّه لا دليل على عدم كون حمل البعير معلوم المقدار ، بل لعلّه كان معلوماً ، كما أنّه كذلك اليوم في بعض البلاد ، فيكون مقدار حمل الحمار ( خروار ) في بعض البلاد مائة منّ ، وفي بعض آخر 75 منّاً ، وفي بعض ثالث 45 منّاً . وثانياً : لا دليل على أنّ ما وقع في تلك القضيّة كان بصيغة الجعالة ، بل لعلّه كان مجرّد وعد بإعطاء حمل بعير بعنوان الجزاء والجائزة ، كما نشاهده في يومنا هذا في بعض الإعلانات لكشف الضالّة . وثالثاً : لا دليل على أنّ القصّة بتمامها كان بمحضر من يوسف حتّى يستفاد منها الامضاء والمشروعيّة .

--> ( 1 ) سورة يوسف : الآية 72 .