الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
369
انوار الأصول
الشرائع السابقة ( وهو جعل الأحكام على نهج القضايا الحقيقيّة ) فإنّا لا نقبل جعل أحكام شريعة موسى عليه السلام مثلًا على نحو تشمل الأفراد بعد انقضاء شريعته ، بل إنّما شرّعت لُامّة موسى عليه السلام فقط . وكذا الجواب الثاني عن الإشكال الثاني ( وهو قضيّة المدرك للشريعتين ) فهو أيضاً فاسد لأنّه بعد العلم بنسخ جميع أحكام الشريعة السابقة لا يبقى شكّ لمُدرك الشريعتين في عدم بقاء تلك الأحكام ، حتّى تتمّ أركان الاستصحاب بالنسبة إليه فيستصحبها . هذا تمام الكلام في أصل جريان استصحاب أحكام الشريعة السابقة ، وقد ظهر من جميع ما ذكرنا عدم جريانه حتّى بناءً على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة فضلًا عن عدم جريانه فيها كما هو المختار . ثمرة هذا البحث ثمّ إنّه بناءً على جريان استصحاب الشرائع السابقة قد يقال : أنّ ثمرته تظهر في موارد شتّى في الفقه : 1 - مسألة القرعة ، حيث يظهر من قصّة مريم في قوله تعالى : « وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ » « 1 » ومن قصّة يونس في قوله تعالى : « فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ » « 2 » حجّية القرعة في خصوص موارد التشاحّ والمخاصمة والتنازع في شريعة زكريّا وشريعة يونس ، فيمكن إثباتها في هذه الشريعة بالاستصحاب . نعم لا حاجة إلى هذا الاستصحاب لو فهمنا من مجرّد نقل القضيتين في كتاب اللَّه إمضاء الشارع لحجّية القرعة ، ولكن أنّى لنا بإثبات ذلك ؟ 2 - مسألة اعتبار قصد القربة في الأوامر وعدمه ، حيث يظهر من قوله تعالى : « وَمَا أُمِرُوا إِلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ » « 3 » اعتبار قصد القربة في جميع أوامر الشرائع السابقة ، فإنّ الضمير في « أمروا » راجع إلى أهل الكتاب ، فيستفاد منه أنّ الأصل في دوران الأمر بين
--> ( 1 ) سورة آل عمران : الآية 44 . ( 2 ) سورة الصافات : الآية 141 . ( 3 ) سورة البيّنة : الآية 5 .