الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
350
انوار الأصول
الحضور مثلًا بالنسبة إلى عصر الغيبة ) ولا نعلم هل بقي مطلق الطلب ضمن الاستحباب ، أو لا ؟ فهل يمكن استصحاب مطلق الطلب الذي كان موجوداً ضمن فرده الواجب ، أو لا ؟ الصحيح هو عدم الجريان لأنّ الميزان في هذه الموارد إنّما هو نظر العرف ، والمفروض أنّ ما نحن فيه يكون عنده من قبيل القسم الثالث من الكلّي . نعم يمكن المناقشة في المثال المزبور الذي ذكره المحقّق الخراساني رحمه الله للمقام لأنّه يمكن أن يقال : بأنّ الاستحباب والوجوب مرتبتان من شيء واحد ( وهو الطلب ) : المرتبة الضعيفة والمرتبة الشديدة ، فيرى العرف أيضاً أحدهما مع الآخر كالمستمرّ الواحد . الأمر الثالث : ربّما يرد على تفصيل الشيخ الأعظم رحمه الله وجريان الاستصحاب في الصورة الأولى من القسم الثالث من استصحاب الكلّي ( وهو ما إذا احتمل وجود الفرد الآخر مقارناً لوجود الفرد الأوّل ) « أنّه إذا قام أحد من النوم واحتمل جنابته في حال النوم ، لم يجز له الدخول في الصّلاة مع الوضوء وذلك لجريان استصحاب الحدث حينئذٍ بعد الوضوء ، لاحتمال اقتران الحدث الأصغر مع الجنابة ، وهي لا ترتفع بالوضوء ، والظاهر أنّه لا يلتزم بهذا الحكم الشيخ الأعظم رحمه الله وغيره فإنّ كفاية الوضوء حينئذٍ من الواضحات وهذا يكشف عن عدم جريان الاستصحاب في القسم الثالث مطلقاً » « 1 » . أقول : بل يرد عليه : أنّ لازم كلامه جريان استصحاب بقاء المعلوم بالإجمال في كثير من موارد دوران الأمر بين الأقل والأكثر الاستقلاليين ، ونتيجته وجوب الإتيان الأكثر بحكم الاستصحاب ، فإذا دار الأمر في الدَّين مثلًا بين كونه مائة درهم فقط أو مع إضافة مائة منّ من الحنطة ، فإذا أدّى القدر المعلوم وهو الدراهم وبعد ذلك شكّ في بقاء كلّي الدَّين المشترك بينهما وبين الحنطة يجوز له استصحاب كلّي الدَّين ، وحينئذٍ لا يحصل له البراءة إلّا بأداء الحنطة أيضاً ، وكذا أشباهه من الأمثلة التي لا نظنّ التزام أحد من المحقّقين بها . وقد قام جماعة من الأعلام منهم المحقّق النائيني رحمه الله في مقام الدفاع عن الشيخ رحمه الله . بما حاصله : أنّ المستفاد من قوله تعالى : « إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ . . . » وقوله تعالى : « وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا » أنّ الوضوء والغسل فردان متضادّان لا يجتمعان في آنٍ
--> ( 1 ) مصباح الأصول : ج 3 ، ص 115 ، طبع مطبعة النجف .