الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

324

انوار الأصول

ثمّ إنّهم يفرضون في عالم الذهن أمراً يشبه ذلك ويرون لزيد مثلًا سلطة على الدار الكذائية ، كسلطته على أعضائه ، وهكذا في الزوجية فيلاحظون زوجية مصراعي الباب في الخارج مثلًا ، ويعتبرون مثلها للزوج والزوجة إلى غير ذلك من أشباهها ، فهي بجميعها كعكوس ومرايا لما في الخارج ، وصور ذهنية تشابهها . ثالثها : الوهميّات ، وهي عبارة عن أوهام الناس وتخيّلاتهم التي لا قيمة لها عند العقلاء ، وليست مبدأً للآثار عندهم . إذا عرفت هذه المقدّمات الثلاثة فاعلم أنّ الأقوال في حقيقة الأحكام الوضعيّة ثلاثة : القول الأوّل : ما عبّر شيخنا الأعظم الأنصاري رحمه الله عنه بما نصّه : « المشهور كما في شرح الزبدة بل الذي استقرّ عليه رأي المحقّقين كما في شرح الوافية للسيّد صدر الدين : إنّ الخطاب الوضعي مرجعه إلى الخطاب الشرعي ، وأنّ كون الشيء سبباً لواجب هو الحكم بوجوب ذلك الواجب عند حصول ذلك الشيء ، فمعنى قولنا إتلاف الصبي سبب لضمانه أنّه يجب عليه غرامة المثل أو القيمة إذا اجتمع فيه شرائط التكليف من البلوغ والعقل واليسار وغيرها ، فإذا خاطب الشارع البالغ العاقل الموسر بقوله : « أغرم ما أتلفته في حال صغرك » انتزع من هذا الخطاب معنى يعبّر عنه بسببيّة الإتلاف للضمان » . وحاصله : أنّ الأحكام الوضعيّة كلّها أمور انتزاعية من الأحكام التكليفية ، ليست لها جعل مستقلّ . القول الثاني : ما هو على ألسنة جماعة ( بتعبير الشيخ الأعظم رحمه الله ) وهو أنّ الأحكام الوضعيّة أمور اعتباريّة قابلة للجعل مستقلًا ، ففي قوله تعالى : « أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ » يكون للشارع جعلان : أحدهما وجوب الصّلاة ، الثاني سببية الدلوك للوجوب . القول الثالث : القول بالتفصيل بين الأحكام الوضعيّة ، فقسم منها من الأمور التكوينيّة ، وليس قابلًا للجعل أصلًا لا تبعاً ولا مستقلًا ، وقسم آخر من الأمور الاعتباريّة وقابل للجعل مستقلًا ، وقسم ثالث من الأمور الانتزاعيّة يتعلّق بها الجعل تبعاً . وينبغي هنا قبل بيان أدلّة الأقوال أن نشير إلى أنّ الأمور الانتزاعيّة على ثلاثة أقسام باعتبار منشأ انتزاعها ، فقسم منها ينتزع من مقام الذات ، كسببيّة النار للاحتراق ، وقسم آخر ينتزع من مقام الصفات ، كتقدّم زيد على عمرو في المسير ، فإنّ وصف التقدّم أو التأخّر ينتزع