الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

318

انوار الأصول

ولم يقم دليل على انتفاء ذلك الحكم هل يحكم ببقائه على ما كان ، أم يفتقر الحكم في الوقت الثاني إلى دلالة ؟ كما يفتقر نفيه إلى الدلالة ، حكى عن المفيد رحمه الله أنّه يحكم ببقائه ما لم تقم دلالة على نفيه ، وهو المختار ، وقال المرتضى رحمه الله : لا يحكم . ثمّ مثل بالمتيمّم الواجد للماء في أثناء الصّلاة ، ثمّ احتجّ للحجّية بوجوه : منها : أنّ المقتضي للحكم الأوّل موجود ، ثمّ ذكر أدلّة المانعين وأجاب عنها ، ثمّ قال : والذي نختاره أن ننظر في دليل ذلك الحكم فإن كان يقتضيه مطلقاً وجب الحكم باستمرار الحكم كعقد النكاح فإنّه يوجب حلّ الوطي مطلقاً . فإذا وقع الخلاف في الألفاظ التي يقع بها الطلاق ، فالمستدلّ على أنّ الطلاق لا يقع بها لو قال : حلّ الوطي ثابت قبل النطق بهذه الألفاظ فكذا بعده ، كان صحيحاً ، لأنّ المقتضي للتحليل - وهو العقد - اقتضاه مطلقاً ، ولا يعلم أنّ الألفاظ المذكورة رافعة لذلك الاقتضاء ، فيثبت الحكم عملًا بالمقتضي « 1 » . فظهر أنّ كلام الشيخ رحمه الله واضح لا حاجة في توضيحه إلى بيان احتمالات عديدة ، نعم الظاهر أنّ كلام المحقّق رحمه الله لا ربط له بالاستصحاب وبالشكّ في المقتضي أو المانع المبحوث عنه في مبحث الاستصحاب ، بل الظاهر أنّ مراده من المقتضي إنّما هو العمومات التي يرجع إليها عند الشكّ في المخصّص ، والشاهد عليه ما صرّح به في ذيل كلامه حيث قال : « وقوع العقد اقتضى حلّ الوطي لا مقيّداً بوقت » فإنّه ناظر إلى عموم « أوفوا بالعقود » و « أحلّ اللَّه النكاح » الذي لا نعلم تخصيصه بالألفاظ المشكوكة في أبواب الطلاق ، فالتمسّك بالعموم عند الشكّ في المخصّص شيء ، والتمسّك بالاستصحاب شيء آخر ، وهذا نظير الاستدلال لأصالة اللزوم في أبواب المعاملات ب « أوفوا بالعقود » و « أحلّ اللَّه البيع » و « تجارة عن تراضٍ » وغيرها ، كما تمسّك الشيخ الأعظم نفسه بها في ابتداء مباحث البيع والخيارات . ثمّ أضاف إليها لاستصحاب بعنوان دليل آخر . وأمّا الأمر الثاني : فاستدلّ الشيخ رحمه الله لهذا التفصيل بما حاصله : أنّ للنقض معنىً حقيقيّاً وهو عبارة عن رفع الهيئة الاتّصاليّة كما في نقض الحبل ، ومعنى مجازياً أقرب وهو رفع الأمر الثابت ، أي المستحكم الذي فيه اقتضاء الثبوت والاستمرار ، ومعنىً مجازياً أبعد وهو مطلق رفع اليد عن الشيء وترك العمل به ولو لعدم المقتضي له ، فإذا تعذّر المعنى الحقيقي كما في المقام

--> ( 1 ) فرائد الأصول : ص 561 ، طبع جماعة المدرّسين .