الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

316

انوار الأصول

الاستصحاب الحكمي مقدّم على استصحاب عدم الجعل ( عكس ما قد يقال من أنّ استصحاب عدم الجعل مقدّم لكونه سببيّاً ) لأنّ الاستصحاب الحكمي بنفسه يكون جعلًا لحكم ظاهري ، ولذلك يقال : إنّ استصحاب الحكم من قبيل جعل مماثل ، فإنّ معنى استصحاب نجاسة الماء الذي زال عنه التغيّر أنّ الشارع جعل له نجاسة ظاهريّة في هذا الحال ، ومع وجود هذا الحكم الظاهري لا يبقى شكّ في جعل الطهارة ، فلا مجال لاستصحاب عدمه . 4 - ( هذا وما بعده من الإشكال الآتي هو العمدة في المقام ) أنّ الاستصحاب الحكمي ( استصحاب المجعول ) لا يكون معارضاً لاستصحاب عدم الجعل في جميع الموارد والأمثلة ، بل كثيراً ما يكون موافقاً له ، كاستصحاب طهارة المذي الخارج بعد الوضوء الذي لا يعارضه استصحاب عدم جعل ناقضية المذي ( فإنّ استصحاب عدم الجعل فيه عبارة عن استصحاب عدم الناقضية كما لا يخفى ) بل يعضده ، وهكذا استصحاب بقاء الملكية في عقد المعاطاة بعد قول المالك الأوّل « فسخت » فإنّه ليس معارضاً لاستصحاب عدم جعل الفسخ رافعاً ، وأمّا الملكيّة الحاصلة بالبيع فهي مستمرّة بالإجماع لولا الفسخ ، فلا يمكن أن يقال : نحن نشكّ في جعل الملكية حتّى في ما بعد الفسخ ، لأنّه عبارة أخرى عن جعل الفسخ نافذاً ، والأصل عدم جعله نافذاً ، فهو موافق لاستصحاب بقاء الملكية ، وكذلك بالنسبة إلى كلّ مورد يكون الشكّ فيه في النقض أو الرفع أو الفسخ . فلا بدّ لمن قام دليله على عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة وتعارضه مع استصحاب عدم الجعل أن يفصّل ثانياً بين مواردها فيكون تفصيلًا في تفصيل . 5 - إنّ الأساس في الاستصحاب كما مرّ كراراً إنّما هو بناء العقلاء وسيرتهم ، وهي قائمة في خصوص الموارد التي تكون الغلبة فيها على البقاء ، مثل الصحّة والمرض الذي تكون الغلبة فيه على السلامة ، وفي الأملاك والمساكن التي تكون الغلبة فيها بقائها على حالها ، وأمّا فيما إذا كانت الغلبة على العكس ، كما إذا وقعت زلزلة في بلد من البلاد وخربت أكثر بيوته ، ففي مثل هذا المورد لا يعتمد العقلاء على استصحاب بقاء دار زيد مثلًا ، أو إذا شاع مرض مثلًا وأهلك غالب سكّان البلد فلا شكّ في أنّهم لا يعتمدون أيضاً على استصحاب حياة زيد مثلًا ، ومن هذا القبيل ما نحن فيه ، حيث إنّ ظهور الإسلام والشريعة المقدّسة أوجب تزلزلًا وتغييراً أساسيّاً بجعل أحكام جديدة في كثير من الموضوعات بحيث صارت الغلبة على وجود الجعل والمجعول ، وفي مثله لا تأتي تلك السيرة مع ذلك الملاك ، فلا يجري استصحاب عدم الجعل فيه .