الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

306

انوار الأصول

ولا يخفى أنّ هذا القبيل من الروايات إنّما يفيدنا في المقام إذا كانت الحلّية أو الطهارة فيها ظاهرة أوّلًا ، ومن باب قاعدة الاستصحاب ثانياً . وكيف كان ، فالأقوال في المسألة خمسة : 1 - قول المحقّق الخراساني رحمه الله في حاشية الرسائل بأنّها ناظرة إلى الواقعيّة والظاهريّة بكلتا قسميها . 2 - القول بأنّها ناظرة إلى الواقعيّة بصدرها ، واستصحاب الطهارة أو الحلّية بذيلها ، ولا نظر لها إلى قاعدة الحلّية أو قاعدة الطهارة ، وهذا هو ظاهر المحقّق الخراساني رحمه الله في الكفاية . 3 - أن يكون صدر الرواية ناظراً إلى قاعدة الحلّية أو قاعدة الطهارة ، وذيلها إلى قاعدة الاستصحاب ، وهذا هو قول صاحب الفصول ، ولعلّه أوّل من استدلّ بها على الاستصحاب في المقام . 4 - أن تكون ناظرة إلى قاعدة الطهارة أو الحلّية فحسب ، وهذا منسوب إلى المشهور . 5 - قول الشيخ الأعظم رحمه الله في الرسائل وهو التفصيل بين حديث « الماء كلّه طاهر حتّى يعلم أنّه قذر » فيكون ناظراً إلى الحكم الواقعي والاستصحاب ، وبين حديثين آخرين ( حديث كلّ شيء نظيف « 1 » . . . وحديث كلّ شيء لك حلال ) فيكونان ناظرين إلى خصوص القاعدة . واستدلّ القائلون بعدم دلالة هذا الحديث على الطهارة الواقعيّة : أوّلًا بأنّ الطهارة والنجاسة أمران طبيعيان عرفيّان لا مجعولان شرعيّان . أضف إلى ذلك أنّه لو كانتا مجعولين من ناحية الشرع المقدّس للزم إمكان خلوّ الواقع من كليهما ، وهو خلاف ارتكاز المتشرّعة . ويرد عليه : أنّ الطهارة والنجاسة أمران مجعولان من ناحية الشارع قطعاً وأنّ النسبة بين الطهارة والنجاسة الشرعيتين والطهارة والنجاسة العرفيتين عموم من وجه ، فربّ شيء نظيف بحسب الارتكاز العرفي ولكنّه نجس وقذر شرعاً ، كالكافر النظيف وعرق الجنب عن

--> ( 1 ) لا يخفى أنّ تعبير الشيخ الأعظم رحمه الله في الرسائل عن هذا الحديث : « كلّ شيء طاهر حتّى يعلم ورود النجاسة عليه » بينما الوارد في الوسائل إنّما هو « كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر » ( وسائل الشيعة : أبواب النجاسات ، الباب 37 ، ح 4 ) .