الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

285

انوار الأصول

ويرد عليه : أنّه لو ثبت لنا اتّحاد مسلك النبي صلى الله عليه وآله والأئمّة المعصومين مع سائر العقلاء ودخولهم فيهم من هذه الجهة بالروايات المعتبرة الدالّة على أفعالهم في هذه الموارد ، فبها ونعم المطلوب ، لكن لقائل أن يمنع عن ذلك ويقول : لم يرد بناءهم العملي في هذه الموارد بالروايات المأثورة عنهم ، نعم يمكن أن يقال : إنّ عمل العقلاء كان في مسمع ومنظر منهم وكانوا ساكتين عنه ، ولكنّه هو معنى الحاجة إلى امضائهم في إثبات الحجّية . والإشكال الثالث : هو ما ذكره المحقّق النائيني رحمه الله من أنّ بناء العقلاء على إبقاء الحالة السابقة وإن كان غير قابل للإنكار في الجملة ، إلّا أنّه لم يعلم أنّ ذلك من جهة التعبّد بالشكّ والأصل العملي ، أو من جهة الأماريّة والكشف عن الواقع ، إذ يبعّد الأوّل عدم تعقّل بناء من العقلاء على صرف التعبّد بالشكّ من دون أماريّة وكاشفية . . . كما أنّه يبعّد الثاني عدم وجود شيء في المقام يكون كاشفاً عن الواقع في ظرف الشكّ ، إذ اليقين السابق لا أماريّة له في ظرف الشكّ ، ونفس الشكّ لا أماريّة له أيضاً كما هو ظاهر ، إلّا أن يقال : إنّ التعبّد بالشكّ من العقلاء وإن لم يكن في نفسه معقولًا ، إلّا أنّه يمكن أن يكون ذلك بإلهام « 1 » من اللَّه تعالى حتّى لا يختلّ أمور معاشهم ومعادهم ، فإنّ لزوم اختلال النظام مع التوقّف عن الجري في الحالة السابقة مع الشكّ واضح ، فلأجله جعل اللَّه الجري على طبقها من المرتكزات في أنفسهم مع عدم وجود كاشف عن تحقّقها أصلًا « 2 » . أقول : وكلامه رحمه الله لا يخلو من نظر : أمّا أوّلًا : فلأنّ ما أفاده من « أنّ بناءهم إلهام إلهي وإنّ فطرتهم جرت على ذلك » بنفسه دليل على وجود التعبّد لهم ، فإنّهم يلاحظون بعض الأمور كأصالة البراءة ، وأنّه لا كاشفية لها بالنسبة إلى الواقع ، ولكن يجعلون بناءهم على ذلك من باب أنّ عدمه يوجب اختلال النظام ، ومن هذا القبيل باب الحقوق والجرائم ، فما دام لم يثبت جرم أحد ، أو كونه مديوناً ، لا يحكم عليه بالجرم والدين ، ويمكن أن يكون بناؤهم على الاستصحاب أيضاً من هذا القبيل ، ولا أقلّ من إمكانه ثبوتاً ، وبالجملة أنّ للعقلاء اصولًا وأمارات ، بل يمكن أن يقال : إنّ لجميع الأصول

--> ( 1 ) وهذا نظير ما قد يقال في باب قيمة الذهب في جميع الأعصار والأمصار من أنّها نوع من الإلهام الغيبي لتنظيم معاشهم الاقتصادي . ( 2 ) أجود التقريرات : ج 2 ، ص 357 .