الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
278
انوار الأصول
مقام العمل ، فالفرق بينهما إنّما هو في مقام علّة الحجّية فحسب . إذا عرفت هذا فنقول : الظاهر أنّ التفصيل المزبور من الشيخ الأعظم رحمه الله في غيره محلّه لأنّ للعقلاء أيضاً اصولًا وأمارات فإنّهم يجرّون البراءة مثلًا في الأحكام الجارية بين الموالي وعبيدهم وبين الحكّام ورعاياهم والرؤساء والمرئوسين ، وفي الموضوعات في الجرائم والمسائل الحقوقيّة ، مع أنّه لا نزاع في أنّ البراءة من الأصول العمليّة ، فمجرّد كون الدليل بناء العقلاء لا يكون دليلًا على الأمارية بل يوافق كون المورد أصلًا أو أمارة ، فلا بدّ إذن من ملاحظة كيفية بناء العقلاء وخصوصيته حتّى يتبيّن أنّ نظرهم هل هو إلى جهة الكشف حتّى يكون المورد أمارة ، أو إلى مجرّد رفع الحيرة حتّى يكون المورد من الأصول ؟ وسيأتي بيان هذا بالنسبة إلى الاستصحاب فانتظر . بقي هنا شيء : وهو أنّ المحقّق النائيني رحمه الله فرّق في الأصول العمليّة بين المحرزة منها وغير المحرزة وقال : ليس معنى الأصل المحرز كونه طريقاً إلى المؤدّي ، بل معناه هو البناء العملي على أحد طرفي الشكّ على أنّه هو الواقع وإلغاء الطرف الآخر ، فالمجعول في الأصل المحرز هو الجهة الثالثة من العلم الطريقي ، وهي الحركة والجري العملي نحو المعلوم ، فالإحراز في باب الأصول المحرزة غير الإحراز في باب الأمارات ، فإنّ الإحراز في باب الأمارات هي إحراز الواقع مع قطع النظر عن مقام العمل ، وأمّا الإحراز في باب الأصول المحرزة فهو الإحراز العملي في مقام تطبيق العمل على المؤدّي ، فالفرق بين الإحرازين ممّا لا يكاد يخفى . وأمّا الأصول غير المحرزة فالمجعول فيها مجرّد التطبيق العملي على أحد طرفي الشكّ من دون البناء على أنّه هو الواقع ، فهو لا يقتضي أزيد من تنجيز الواقع عند المصادفة والمعذورية عند المخالفة ، وهو الذي كان يقتضيه العلم من الجهة الرابعة . ( انتهى ) « 1 » . أقول : هذا التقسيم ممّا لا محصّل له ، لأنّ حجّية الاستصحاب إمّا أن تكون ناشئة عن كشفه للواقع أو لا ، فعلى الأوّل يكون أمارة لا أصلًا ، وعلى الثاني يكون أصلًا لا أمارة ، وليس
--> ( 1 ) فوائد الأصول : ج 4 ، ص 486 ، طبع جماعة المدرّسين .