الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

264

انوار الأصول

التنبيه السادس : هل المراد بالضرر هو الضرر الشخصي أو النوعي ؟ فهل يجوز للمكلّف الوضوء مثلًا إذا كان ضررياً لغالب الأفراد ولا يكون ضررياً بالنسبة إلى نفسه ؟ لا شكّ في أنّ الظاهر من الأدلّة إنّما هو الضرر الشخصي ، لعدم صدق موضوع الضرر على المكلّف مع كونه نوعيّاً ، كما أنّه كذلك في سائر العناوين التي صارت موضوعات للأحكام الشرعيّة كعنوان العسر والحرج والخوف والخطر في سفر الحجّ مثلًا وكذلك عنوان الاستطاعة والفقر وغيرها . نعم يمكن للشارع المقدّس في الأحكام التكليفيّة وللحاكم الشرعي في الأحكام الجزئيّة الإجرائيّة أن يجعل الملاك الضرر النوعي ، فيكون حينئذٍ من قبيل الحكمة للحكم لا العلّة والعنوان كما لعلّه كذلك في باب الشفعة لعدم وجود الضرر في جميع مصاديقها كما مرّ . هذا في القسم الأوّل ، وفي القسم الثاني ( الأحكام الإجرائيّة ) نظير حرمة حمل السلاح في عصرنا هذا ، الذي يكون منشأً للضرر في غالب الأفراد ، ولكن الحاكم الشرعي يحكم بتحريم حمل السلاح على نحو العموم ولجميع الأفراد ، حفظاً لهذا الغرض ، وعلى هذا يمكن أن يكون الضرر النوعي ملاكاً بالنسبة إلى مقام الجعل لا المجعول ، وبعبارة أخرى : يكون داعياً لوضع القانون الكلّي لا عنواناً له . إن قلت : لو كان المعيار هو الضرر الشخصي فلما ذا استدلّ الأصحاب بقاعدة « لا ضرر » على خيار الغبن ، مع أنّ المعاملة الغبنية لا تكون ضررية دائماً بل قد تكون المصلحة في بيع المتاع ولو بأقلّ من ثمن المثل ، كما إذا كان في معرض الخرق والسرق ، أو كان المالك عاجزاً عن حفظه ؟ قلنا : الملاك في كون المعاملة ضرريّة أو غير ضرريّة إنّما هو المعاملة من حيث هي معاملة ، ومعرّاة عن الحيثيات والعناوين الطارئة ، ولا يخفى أنّ عنوان الضرر والمعاملة الضررية صادق على المعاملة المذكورة من حيث هي معاملة ، وإن لم تكن ضررية بعد ملاحظة جميع الحيثيات الداخليّة والخارجيّة وبعد الكسر والانكسار . نعم ، الحكم بالفساد في خصوص هذه الواقعة لا يكون منّة على المكلّف ، لكن الإنصاف أنّ الامتنان إنّما هو بلحاظ الحكم الكلّي في هذه المقامات ، لا بملاحظة مصاديقه الشخصيّة ،